بيان لأثرِ ذلك الخطبِ على النفوس ووقعِه على القلوب وملامِحِه على الوجوهِ ، وروعته التي أخذت بالأبصار من هولِ ما ترى ،"حتى مالتْ عن سَننِها وانحرفتْ عن مُستوى نظرِها حيرةً وشُخوصًا وقيل: عدلتْ عن كلِّ شيءٍ فلم تلتفتْ إلاَّ إلى عدوِّها لشدَّةِ الرَّوعِ" (22) .
"والحنجرة: رأس الغلصمة وهي منتهى الحلقوم . والحلقوم: مدخل الطعام والشراب ، قالوا: إذا انتفخت الرئة من شدة الفزع أو الغضب أو الغمّ الشديد: ربت وارتفع القلب بارتفاعها إلى رأس الحنجرة ، ومن ثمة قيل للجبان: انتفخ سحره . ويجوز أن يكون ذلك مثلًا في اضطراب القلوب ووجيبها وإن لم تبلغ الحناجر حقيقة" (23) .
"واعلم أنهم وقعوا في الخوف من وجهين . الأول خافوا على أنفسهم من الأحزاب لأن الأحزاب كانوا أضعافهم . والثاني خافوا على ذراريهم في المدينة بسبب نقض بني قريظة العهد كما سبق وقد قاسوا شدائد البرد والجوع" (24)
وعن هذا الموقف العصيب يقول صاحب الظلال:"إنها صورة الهول الذي روع المدينة ، والكرب الذي شملها ، والذي لم ينج منه أحد من أهلها . وقد أطبق عليها المشركون من قريش وغطفان واليهود من بني قريظة من كل جانب . من أعلاها ومن أسفلها . فلم يختلف الشعور بالكرب والهول في قلب عن قلب ؛ وإنما الذي اختلف هو استجابة تلك القلوب ، وظنها بالله ، وسلوكها في الشدة ، وتصوراتها للقيم والأسباب والنتائج ، ومن ثم كان الابتلاءُ كاملًا والامتحانُ دقيقًا . والتمييزُ بين المؤمنين والمنافقين حاسمًا لا تردُّد فيه ." (25) .