من هنا كان هذا النداءُ الإيمانيُّ موجهًا إلى الرعيلِ الأولِ من الذين شهدوا هذه الغزوةَ وعاينوا أهوالها وكابَدُوا مخاطِرَهَا وجالَدُوا رسيسَها ، ثم إلى سائر أمةِ الإسلامِ من جيل التابعين ومن تَبِعَهُمْ إِلى يومِ الدينِ ، الذين شاركوا النبيَّ ( وصحابته الكرامِ ( في جني ثمار هذا النصرِ المؤزَّر ، فنعمةُ النصر على الأحزابِ والنجاةِ من شرورِهِم وكيدِهم: نعمةٌ عامةٌ باقيةٌ ، يتعينُ ذكرُها وشكرُها على كلِّ مسلمٍ .
وتأمل معي في قول صاحب اللطائف:"ذكرُ نعمة الله مُقابَلَتُها بالشكر ، ولو تذكرتَ ما دَفَعَ عنك فيما سَلَفَ لهانتْ عليك مقاساةُ البلاءِ في الحال ، ولو تذكرتَ ما أولاكَ في الماضي لَقَرُبَتْ من قلبك الثقةُ في إيصال ما تؤمِّلُه في المستقبل ... ومن جملة ما ذكَّرهم به: ( إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ ( كم من بلاءٍ صَرَفَه عن العبدِ وهو لم يشعر! وكم من شُغْلٍ كان يقصده فصَدَّه ولم يعلم ! وكم من أمرٍ عَوَّقَه والعبدُ يَضِجُّ وهو سبحانه يعلم أَن في تيسيره له هلاكَ العبد فمَنَعَه منه رحمةً به ، والعبدُ يتَّهِمُ ويضيق صَدْرُه بذلك!"(12) .
هذا من ذكر الخاص بعد العام وهو أبلغ من أن يقول"اذكروا إذ جاءتكم جنود ..."والجنود: قوى الكفر التي تآمرت وتحالفت وهم قريشٌ ومن تبعهم من الأحابيش ومن أجابَ من قبائلِ العربِ: غطفان وبني سليم وأشجع وبني أسد ، وأهل تهامة بلغ عددُهم عشرةَ آلافٍ بينما كان المسلمون ثلاثة آلاف فضلا عن يهود بني النضير الذين أجلاهم النبي ( إلى خيبر بعد نقضهم العهد وغدرِهم وبني قريظة الذين نقضوا العهد وشكَّلوا خطرا من الداخلِ يُهدِّدُ بيوتَ المسلمين ، ويُرَوِّعَ النساءَ والأطفالَ .