فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 93

ومن علامات صحة القلب أنه لا يزال يضرب على صاحبه حتى ينيب إلى اللَّه ويخبت إليه ، ويتعلق به تعلق المحب المضطر إلى محبوبه، الذي لا حياة له ولا فلاح ولا نعيم ولا سرور إلاَّ برضاه وقربه والأنس به ، فيه يطمئن، وإليه يسكن، وإليه يأوي، وبه يفرح، وعليه يتوكل، وبه يثق ، وإياه يرجو ، وله يخاف، فذكره قوته ، وغذاؤه ، ومحبته ، والشوق إليه حياته ونعيمه ولذته وسروره ، والالتفات إلى غيره والتعلق بسواه داؤه، والرجوع إليه دواؤه، فإذا حصل له ربه سكن إليه واطمأن به، وزال ذلك الاضطراب والقلق ، وانسدت تلك الفاقة، فإن في القلب فاقة لا يسدها شيء سوى اللَّه تعالى أبدًا ، وفيه شعث لا يلمه غير الإقبال عليه ، وفيه مرض لا يشفيه غير الإخلاص له، وعبادته وحده ، فهو دائمًا يضرب على صاحبه ، حتى يسكن ويطمئن إلى إلهه ومعبوده ، فحينئذٍ يباشر روح الحياة ، ويذوق طعمها ، ويصير له حياة أخرى غير حياة الغافلين المعرضين عن هذا الأمر الذي له خلق الخلق ، ولأجله خلقت الجنة والنار ، وله أرسلت الرسل ونزلت الكتب، ولو لم يكن جزاء إلاَّ نفس وجوده لكفى به جزاء وكفى بفوته حسرة وعقوبة.

قال بعض العارفين:"مساكين أهل الدنيا ، خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها ؛ قيل: وما أطيب ما فيها ؟ قال: محبة اللَّه والأنس به والشوق إلى لقائه ، والتنعم بذكره وطاعته..."

إلى أن قال: ومن علامات صحة القلب: أن لا يفتر عن ذكر ربه، ولا يسأم من خدمته، ولا يأنس بغيره؛ إلاَّ بمن يدله عليه ، ويذكره به، ويذاكره بهذا الأمر .

ومن علامات صحته: أنه إذا فاته ورده وجد لفواته ألمًا أعظم من تألم الحريص بفوات ماله وفقده .

ومن علامات صحته: أنه يشتاق إلى الخدمة ، كما يشتاق الجائع إلى الطعام والشراب .

ومن علامات صحته: أنه إذا دخل في الصلاة ذهب عنه همه وغمه بالدنيا، واشتد عليه خروجه منها ، ووجد فيها راحته ونعيمه ، وقرت عينه وسرور قلبه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت