فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 93

فـ"الأول"هو القاسي وهو الجامد اليابس بمنزلة الحجر لا ينطبع ، ولا يكتب فيه الإيمان ، ولا يرتسم فيه العلم ؛ لأن ذلك يستدعي محلا لينا قابلًا .

و"الثاني"لا يخلو إما أن يكون الحق ثابتًا فيه لا يزول عنه لقوته مع لينه، أو يكون لينه مع ضعف وانحلال . فالثاني هو الذي فيه مرض ، والأول هو القوي اللين .

وذلك أن القلب بمنزلة أعضاء الجسد كاليد مثلًا ، فإما أن تكون جامدة يابسة لا تلتوي ولا تبطش ، أو تبطش بعنف ، فذلك مثل القلب القاسي، أو تكون ضعيفة مريضة عاجزة لضعفها ومرضها ، فذلك مثل الذي فيه مرض، أو تكن باطشة بقوة ولين فهو مثل القلب العليم الرحيم ، فبالرحمة خرج عن القسوة ، وبالعلم خرج عن المرض ، فإن المرض من الشكوك والشبهات، ولهذا وصف من عدا هؤلاء بالعلم والإيمان والإخبات... ) (1) .

وقال ابن القيم رحمه اللَّه لما ذكر هذه الآيات: ( فجعل اللَّه سبحانه وتعالى القلوب في هذه الآيات ثلاثة: قلبين مفتونين ، وقلبًا ناجيًا . فالمفتونان: القلب الذي فيه مرض، والقلب القاسي . والناجي: القلب المؤمن المخبت إلى ربه. وهو المطمئن إليه الخاضع له ، المستسلم المنقاد .

وذلك: أن القلب وغيره من الأعضاء يراد منه أن يكون صحيحًا سليمًا لا آفة به ، يتأتى منه ما هُيىء له وخلق لأجله ، وخروجه عن الاستقامة إما ليبسه وقساوته ، وعدم التأتي لما يراد منه ، كاليد الشلاء، واللسان الأخرس، والأنف الأخشم ، وذكر العِنِّين ، والعين التي لا تبصر شيئًا ، وإما بمرض وآفة فيه تمنعه من كمال هذه الأفعال ووقوعها على السداد، فلذلك انقسمت القلوب إلى هذه الأقسام الثلاثة .

فالقلب الصحيح السليم: ليس بينه وبين قبول الحق ومحبته وإيثاره سوى إدراكه ، فهو صحيح الإدراك للحق ، تام الانقياد والقبول له .

والقلب الميت القاسي: لا يقبله ولا ينقاد له .

(1) انظر: مجموع الفتاوى (13/270-271) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت