قال: فغضب، ومسعر بن كدام حاضر، قال: فقلت له: لتصححن لي هذا، أو لأخرقن ما كتبت عنك. فقال لي مسعر: عبد الله بن عطاء بمكة. قال شعبة: فرحلت إلى مكة لم أرد الحج، أردت الحديث، فلقيت عبد الله بن عطاء فسألته، فقال: سعد بن إبراهيم حدثني، فقال لي مالك بن أنس: سعد بالمدينة، لم يحج العام، قال شعبة: فرحلت إلى المدينة، فلقيت سعد بن إبراهيم فسألته، فقال: الحديث من عندكم، زياد بن مخراق حدثني، قال شعبة: فلما ذكر زيادا قلت: أي شيء هذا الحديث؟! بينما هو كوفي إذ صار مدنيا، إذ صار بصريا! قال: فرحلت إلى البصرة، فلقيت زياد بن مخراق فسألته، فقال: ليس هو من بابتك، قلت: حدثني به، قال: لا ترده، قلت: حدثني به، قال: حدثني شهر بن حوشب عن أبي ريحانة عن عقبة بن عامر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال شعبة: فلما ذكر شهر بن حوشب قلت: دمر علي هذا الحديث، لو صح لي مثل هذا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان أحب إلي من أهلي ومالي، والناس أجمعين [1] .
فانظر كيف رحل هذا الإمام من أجل هذا الحديث الواحد كل هذه الرحلة فرحل من البصرة إلى مكة ثم إلى المدينة ثم إلى البصرة, وقد ألف الخطيب البغدادي كتابا سماه (الرحلة في طلب الحديث) ذكر فيه جملة من أخبار العلماء الذين رحلوا من أجل حديث واحد.
وأما المثال الثاني: فقد روى الإمام مسلم في كتاب مواقيت الصلاة من «صحيحه» (1/ 428) بإسناده عن يحيى بن أبي كثير أنه قال: لا يستطاع
(1) «الرحلة في طلب الحديث» للخطيب (148 - 153) , وقال الحافظ ابن عبدالبر في «التمهيد» (1/ 50) - بعد أن روى هذه القصة من طريق نصر بن حماد: (وقد روي هذا المعنى من وجوه عن شعبة، ولذلك ذكرته عن نصر بن حماد؛ لأن نصر بن حماد الوراق يروى عن شعبة مناكير، تركوه) اهـ.
(تنبيه) قد صح هذا الحديث من غير هذه الطريق، وقدر رواه الإمام مسلم في «صحيحه» .