صفات مهمة لمن يمارس التخريج
الصبر والجلد على البحث
علم الحديث من العلوم التي تحتاج إلى صبر وجلد, وقد كان العلماء الأوائل لا يتمكنون من جمع أسانيد الأحاديث إلا بعد عناء شديد, وبعد رحلات علمية شاقة, وأما الآن فبحمد الله قد تيسرت لنا الكتب, ولكن بقي علينا جرد هذه المطولات، وكثرة المطالعة فيها، والصبر على البحث فيها.
وأخبار العلماء في ذلك كثيرة, لكن أذكر مثالين على ذلك لإمامين من أئمة الحديث السابقين, ومثالين آخرين لاثنين من علمائنا المعاصرين.
فأما المثال الأول: قال نصر بن حماد الوراق: كنا قعودا على باب شعبة نتذاكر، فقلت: ثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الله بن عطاء عن عقبة بن عامر قال: كنا نتناوب رعية الإبل على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فجئت ذات يوم والنبي حوله أصحابه، فسمعته يقول: «من توضأ فأحسن الوضوء، ثم صلى ركعتين فاستغفر الله، إلا غفر له» فما ملكت نفسي أن قلت: بخ بخ. قال: فجذبني رجل من خلفي فالتفت فإذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا ابن عامر, الذي قال قبل أن تجيء أحسن! قلت: ما قال فداك أبي وأمي؟! قال: قال: «من شهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فتحت له ثمانية أبواب الجنة من أيها شاء يدخل» .
قال: فخرج شعبة فلطمني، ثم رجع فدخل، فتنحيت من ناحية، قال: ثم خرج، فقال: ماله يبكي بعد؟ فقال له عبد الله بن إدريس: إنك أسأت إليه. فقال شعبة: انظر ما تحدث، إن أبا إسحاق حدثني بهذا الحديث عن عبد الله بن عطاء عن عقبة بن عامر، قال: فقلت لأبي إسحاق: من عبد الله بن عطاء؟