القرائن أو غلبة الظن ونحو ذلك، فتارة يعمل بالأصل ولا يلتفت إلى الظاهر، وتارة يعمل بالظاهر ولا يلتفت إلى الأصل، وتارة يخرج في المسألة خلاف، فهذه أربعة أقسام « (25) .
هذه العينة من النصوص تدل على أن فقهاء المذاهب لم يتشددوا في الالتزام بقاعدة (اليقين لا يزول بالشك) بل خالفوا مقتضى القاعدة لَماَّ لزم ذلك تخريجًا على قواعد علمية وضعوها، منها ما هو محل وفاق ومنها ما هو محل خلاف.
-ومذهب مالك (ت179هـ) لم يشذّ عنهم، فبعد إقرار شهاب الدين القرافي بأن مخالفة القاعدة قد تدفع إليها الضرورة وتلجئ إليها الحاجة قائلا:» فهذه القاعدة مجمع عليها من حيث الجملة غير أنه قد تعذّر الوفاء بها في الطهارات وتعين إلغاؤها من وجه واختلفت العلماء رحمهم الله بأي وجه تلغى وإلا فهم مجمعون على اعتبارها « (26) .
أشار إلى بعض الضوابط التي جعلت مذهبه يمشي على خلاف القاعدة المجمع عليها فقال:» إن الشارع شرع الأحكام وشرع لها أسبابا وجعل من جملة ما شرعه من الأسباب الشكّ. فشرعه في عدة من الصور حيث شاء، فإذا شك في الشاة المذكاة والميتة حرمتا معا، وسبب التحريم هو الشك. وإذا شك في الأجنبية وأخته من الرضاعة حرمتا معا وسبب التحريم هو الشك. وإذا شك في عين الصلاة المنسية وجب عليه خمس صلوات وسبب وجود الخمس هو الشك. وإذا شكّ هل تطهر أم لا وجب الوضوء وسبب وجوبه الشك « (27) .
فتقرّر أنه لا تناقض في المذهب المالكي في العمل بمقتضى القاعدة المتفق عليها مثله مثل غيره من المذاهب وإنما مخالفة القاعدة بعد الإقرار بها له مبرراته العلمية والموضوعية، ولكل مذهب ضوابطه.
المذهب الراجح: أشهر مسائل الخلاف المندرجة تحت هذه القاعدة اختلاف المالكية مع الجمهور وعلى رأسهم الشافعية في حكم من شك في وضوئه بعد أن استيقن الطهارة، هل يبني على الطهارة كما