وهذه مكتبة القاضي أبي القاسم عبد الرحيم بن الملجوم بفاس، التي كوّنها من مكتبة والده، ومكتبة عيسى الأزدي الزهراني، ومكتبة المؤلف: عبد الرحمن بن الملجوم حيث صارت أكبر مكتبة في المغرب في ذلك العهد [1] .
ولا تزال خزانة القرويين الكبرى في فاس تحتفظ إلى اليوم بنسخة من كتاب الزهد والرقائق لابن المبارك وقد كتب سنة (465هـ) ، وكتاب الناسخ والمنسوخ لأبي بكر بن العربي عليها خط الحافظ: ابن مفوز سنة (481هـ) ، واختصار الموطأ: للمهدي بن تومرت، وفي أوله سند عبد المؤمن بن علي بن المهدي إلى الإمام مالك، هذا إلى بقية من نسخة الموطأ في عدة أجزاء من رق الغزال، وكان نسخها في شعبان من سنة (502هـ) [2] .
أما الكراسي العلمية: فقد استعملها علماء القرويين منذ وقت مبكر للاستعانة بها على تلقين طلبتهم، ولا سيما حين يكثر عددهم، وقد عرف عن بعض مجالس العلم بجامع القرويين ما كان يناهز عدد الحضور فيها آلافًا من الناس، فكان ضروريًا أن يتخذ الفقيه له كرسيًّا لإسماع كل هذا العدد [3] .
ويذكر أن أقدم رواية تنص على الجلوس للتدريس بالقرويين تذكر أن العالم ابن أبي جامع الأنصاري كان يعطي دروسًا بالجهة الغربية من القرويين سنة (515هـ) ، كما تذكر أن أبا الحسن علي القيسي كان يعطي دروسه سنة (554هـ) [4] .
وهكذا ظهر المذهب المالكي في المغرب الأقصى، واستمر على انتشاره الباهر، ونموّه الزاهر إلى يومنا الحاضر، وبقيت جامعة القرويين منارة للعلم، ليس للمغرب فحسب، بل لمختلف بلاد المسلمين في تلك الجهات وغيرها.
وقد تخرج من هذه المدرسة علماء أجلاء، كان لهم الدور الفاعل في خدمة الفقه المالكي تعاقبوا جيلًا بعد جيل، ولم يتوقف عطاؤهم منذ احتضان المغرب لهذا المذهب الأصيل، وهذا ما نتعرف عليه في المبحث التالي.
(1) ابن أبي زرع، الأنيس المطرب، ص 42.
(2) ابن أبي زرع، الأنيس المطرب، ص 28.
(3) التازي، جامع القرويين، ج1، ص 125.
(4) التازي، جامع القرويين، ج1، ص 113، نقلًا عن: ابن الزبير، صلة الصلة، نشر بروفنصال، رقم 95، الرباط، 1939م.