وخاصة في عهد يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن حيث طلب من الناس ترك الاشتغال بعلم الرأي، وتوعد على ذلك بالعقوبة، بل أوقع المحن بذوي الفروع، وقتلهم، وضربهم بالسياط، وألزمهم بالأيمان المغلظة من عتق، وطلاق، على أن لا يتمسكوا بشيء من كتب الفقه، وكان قصده -في الجملة- محو مذهب مالك وإزالته من المغرب، وحمل الناس على الظاهر من القرآن [1] .
غير أن هذه المحنة التي لحقت بأتباع المذهب المالكي لم تطل، فبزوال الدولة الموحدية، ومجيء الدولة"المرينية"، عاد النفوذ للمذهب المالكي مرة أخرى، وما زال [2] . فقد استطاع"بنو مرين"بسرعة أن يسترجعوا ما ضاع، وأن يبعثوا ما فقد من كتب المالكية، وفي صدرها كتاب"المدونة"التي نسخها فقهاء فاس من حفظ الفقيه:"أبي الحسن علي بن عشرين" [3] .
ومما ساعد على تطور الفقه المالكي في المغرب الأقصى: اهتمامهم بالخزائن العلمية، والكراسي العلمية.
فقد عرفت"القرويين"نوعًا من المجامع الأكاديمية، تجلت في هذه المكتبات العلمية العديدة، وقد عرف عن أهل فاس أنهم يتبارون في اقتناء الكتب وانتساخها، فهذا العالم:"يحيى الرابع"المتوفى سنة 307هـ يقول فيه"البكري"إنه كان يتوفر على عدد من الوراقين لا شغل لهم إلا نسخ الكتب" [4] ."
وكان أبرز ما يثير انتباه المتتبع لظهور الخزائن العلمية هذا العدد من العلماء الذين أخذوا يتوفرون على مكتبات عظيمة، ووصل العلم بذلك إلى مجالس علماء الشرق، فهذه مكتبة بني الغريدس (التغلبيين) لصاحبها قاضي فاس، وناظر جامع القرويين:"أبي عبد الله محمد الغرديسي التغلبي" [5] .
(1) المراكشي، المعجب، ص 321، ص 232.
(2) الحجوي، الفكر السامي، ج3، ص 173.
(3) التازي، عبد الهادي، المذهب المالكي كشعار من شعارات الدولة المغربية، ندوة الإمام مالك، ج1، ص 94.
(4) التازي، جامع القرويين، ج1، ص 123.
(5) المقري، شهاب الدين أحمد بن محمد، أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض، ج1، ص 23، إشراف: اللجنة المشتركة لإحياء التراث بين المملكة المغربية، ودولة الإمارات العربية المتحدة.