وبدأ تطور مدرسة المغرب الأقصى في الفقه المالكي، وتعزز نفوذ المذهب بقيام الدولة المرابطية في القرن الخامس [1] . خاصة في زمن الأمير: علي بن يوسف بن تاشفين الذي عرف عنه اهتمامه بأهل الفقه، ومشاورته للفقهاء، وكان يشترط على القاضي عند توليته ألا يقضي إلا بمحضر أربعة من الفقهاء، فعظم أمر الفقهاء في أيامه، وأقبل الناس إليهم، ولم يكن الأمير يقرب منه إلا من علم علم فروع مذهب مالك، فنفقت كتب المذهب للإقبال عليها، والعمل بمقتضاها، ونبذ ما سواها، حتى أهمل النظر في الكتاب والسنة من مشاهير فقهاء ذلك الزمان، وترتب على كل ذلك امتداد نفوذ المذهب، وازدهاره [2] ، حيث توسع المذهب المالكي باتجاه جنوب المغرب نحو الصحراء، التي انبثقت منها الدولة المرابطية، بدافع من"واجاج بن زلو"الذي اختار"عبد الله بن ياسين"بإيعاز من: أبي عمران الفاسي إمام المذهب المالكي في تونس [3] .
ولا يخفى أن العالم: ميمون الصحراوي المتوفى سنة 506هـ، وقيل: سنة 530هـ، هو شيخ القاضي عياض [4] ، إمام المذهب المالكي في المغرب، وصاحب كتاب ترتيب المدارك، وقد نوّه بانتشار المذهب آنذاك في المغرب الأقصى والصحراء وبلاد من أسلم من السودان [5] .
وقد كان اهتمام أهل الصحراء الغربية بمذهب الإمام مالك شديدًأ حيث ذكر اليوسي من رجال القرن الحادي عشر في حديثه عن الرجراجين أن أهل (دغوغ) الذين انتشروا في المغرب وصحرائه كان يحفظ المدونة منهم عن ظهر قلب (7660) رجلًا و (500) من النساء [6] .
وبسقوط الدولة المرابطية، واستيلاء الدولة الموحّدية [7] ، مَرَّ المذهب المالكي بفترة عصيبة، حيث ضيق على فقهاء المالكية، وعارضوا مذهبهم معارضة صريحة، بل أحرقوا كتبهم، ومنها:"مدونة سحنون" [8] .
(1) دولة إسلامية، قامت بالمغرب، أسسها أبو بكر بن عمر اللمتوني، سنة 1053م، وبرز فيها يوسف بن تاشفين، مؤسس مدينة"مراكش"، وانتصر على الإفرنج في معركة"الزلاقة"سنة 1086م، واستمد المرابطون هذه التسمية من نظام الرباط. الموسوعة العربية الميسرة، ص 1676، 1677، إشراف: محمد شريف غربال، صورة عن طبعة 1965م.
(2) المراكشي، عبد الواحد، المعجب في تلخيص أخبار المغرب، تحقيق: علي زينهم، ص 149 - 151. - تيمور أحمد، نظرة تاريخية في حدوث المذاهب الفقهية الأربعة، ص 67، ط2، 1995م.
(3) ابن عبد الله، عبد العزيز، الفقه المالكي والوحدة المذهبية بين المغرب وصحرائه، ص 234.
(4) ابن إبراهيم، العباس، الإعلام في تاريخ مدينة مراكش، ج7، ص 239.
(5) عياض، عياض بن موسى، ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك تحقيق: جماعة من علماء المغرب، ص 665، مطبعة فضالة، المحمدية، المغرب.
(6) السوسي، محمد المختار، المعسول، ج4، ص9، ط، الدار البيضاء، 1960، المغرب.
(7) دولة إسلامية قامت في شمال إفريقيا والأندلس، أسسها زعيم من البربر اسمه محمد بن تومرت بلغت ذروة مجدها في عهد أبي يوسف يعقوب المنصور الذي انتصر على الأسبان في معركة"الآراك"وانهارت دولتهم سنة 1269م، الموسوعة العربية الميسرة، ص 1772.
(8) تعرضت المدونة للإحراق مرتين: الأولى في تونس على يد عباس الفارسي الذي كان محدثًا يبغض أهل الفقه والرأي، ويقع في"أسد بن الفرات"و"ابن القاسم". عياض، ترتيب المدارك، ج3، ص 300. والثانية: على يد الموحدين في المغرب. المراكشي، المعجب، ص 400.