أما جامعة"القرويين": فإن للقيروان في تونس الفضل الأول في تكوين جامعة"فاس"وكانت لها بمثابة الفرع من الشجرة [1] ، لكن"القيروان"لم تلبث أن تعثرت عثرتها الكبرى في القرن الخامس الهجري، بتغلب قبائل بني هلال القادمة من الشرق، فأصبحت أثرًا بعد عين، ولم يكن حظ"الزيتونة"بأحسن حالًا، فبعد السنين الزاهرة التي عرفها الجامع والتي جمعت مرارًا وتكرارًا بين علماء فاس وعلماء تونس، فإن الأسبان لم يلبثوا أن قطعوا سيرتها أواسط القرن العاشر [2] . كما كان للتدخل العثماني أيضًا أثر في"تتريك"التعليم بالجامع الأعظم [3] .
وقد انعكس تراجع دور القيروان وجامع الزيتونة على دور القرويين حيث عظم دورها وتعززت في الغرب الإسلامي من حيث رفع لواء المذهب المالكي.
كما تعزز مركز القرويين بالتفاف مدرسة قرطبة والقيروان حول فاس إذ هاجرت أربعمائة أسرة قيروانية منهم"آل الفهري"وثمانية (أو ثمانمائة في رواية أخرى) من قرطبة، وكان ذلك بزعامة رجل بربري من طنجة من قبيلة"نقرة"وهو:"يحيى بن يحيى الليثي"المتوفى سنة 234هـ، وكان قد سمع الموطأ من مالك [4] .
وبهذا اجتمع في فاس علم القيروان وقرطبة، إذ كانت القيروان حاضرة الغرب، وقرطبة حاضرة الأندلس، فلما اضطرب أمر إفريقية (تونس) بعبث العرب بها، واضطرب أمر قرطبة آخر ممالك بني أمية، رحل من هذه وهذه من كان فيهما من العلماء والفضلاء، فرارًا من الفتنة، فنزل أكثرهم إلى مدينة فاس، وأصبحت بذلك موئلًا للعلم والعلماء [5] . وهكذا امتدت شجرة الفقه المالكي من المدينة إلى بغداد، إلى القيروان، إلى قرطبة ففاس مؤكدة المقولة المأثورة:"العلم كقمح نتج بالمدينة، وصفّي ببغداد، وطحن بالقيروان، وغربل بقرطبة، وأكل بفاس" [6] .
(1) التازي، جامع القرويين، ج1، ص 113.
(2) التازي، جامع القرويين، ج1، ص 133، نقلًا عن: ابن عامر، تونس عبر العصور، ص 101، وما بعدها، تونس.
(3) التازي، جامع القرويين، ج1، ص 133، نقلًا عن: التهامي، نقرة، القيروان عبر العصور، ص 113، تونس.
(4) ابن عبد الله، عبد العزيز، الفقه المالكي والوحدة المذهبية بين المغرب وصحرائه، مجلة دار الحديث الحسنية، العدد الثاني، ص 132، مطبعة فضالة، المحمدية، المغرب، 1981.
(5) مخلوف، شجرة النور الزكية، ص 451.
(6) التازي، جامع القرويين، ج 1 ص 109، نقلًا عن: الناصري، الاستقصاء، ص 329.