بيت، فنزلوا العدوة اليمنى من فاس وعمروها حتى أصبحت تسمى عدوة الأندلس، وقد بدأ توارد مسلمي الأندلس إلى المغرب بعد خروجهم بقسوة من ديارهم، إثر سقوط غرناطة في أيدي الأسبان سنة 897هـ [1] .
ومن مظاهر استمداد مدرسة المغرب الأقصى من المدرسة الأولى: الأخذ بمبدأ ما جرى به العمل. فمن المعلوم أن الإمام مالك رحمه الله يرى تقديم عمل أهل المدينة، ويأتي عنده في الدرجة التالية للإجماع، ولا يشترط في الخبر الواحد أن يعضده العمل، وإنما العمل عنده مقدم عليه، فإن لم يوجد عمل؛ وجب المصير إلى خبر الواحد [2] . ومع مرور الزمن، وانتشار المذهب المالكي في الغرب الإسلامي، ظهر عندهم ما يسمى:"ما جرى العمل به"، وهو ما يتفق مع عمل أهل المدينة في المبدأ ويختلف عنه في الاعتبارات [3] .
والعمل كما استقر عليه الرأي عند المغاربة هو: العدول عن القول الراجح أو المشهور في بعض المسائل إلى القول الضعيف فيها، رعيًا لمصلحة الأمة وما تقتضيه حالتها الاجتماعية، أو هو: اختيار قول ضعيف، والحكم والإفتاء به، وتمالؤ الحكام والمفتين - بعد اختياره - للعمل به لسبب اقتضى ذلك [4] .
وإيضاح ذلك: أن بعض المسائل يكون فيها خلاف بين فقهاء المذهب، فيعمد بعض القضاة إلى الحكم بقوب يخالف المشهور لسبب من الأسباب، كدرء مفسدة أو خوف فتنة، أو جريان عرف في الأحكام التي سندها العرف لا غيره، أو تحقيق مصلحة، أو نحو ذلك. فيأتي من بعده، ويقتدي به، ما دام الموجب الذي لأجله خولف المشهور في مثل ذلك البلد وذلك الزمان قائمًا. وهذا بناءًا على أصول المذهب المالكي [5] ؛ لأنه إذا كان العمل بالضعيف لدرء مفسدة فهو على أصل مالك في سد الذرائع، وإذا كان لجلب مصلحة فهو على أصله باعتبار المصلحة المرسلة، وكذلك الشان بالنسبة للعرف، لأنه من جملة الأصول التي بني الفقه عليها، وهو راجع إلى المصلحة المرسلة أيضًا، فيشترط فيه ما لم يخالف نصًا، أو يصادم مصلحة أقوى، حتى إذا زال الموجب الذي كان سببًا لقيام العمل؛ عاد الحكم المشهور [6] .
(1) المقري، أزهار الرياض، ج1، ص 66، الناصري، الاستقصا، ج4، ص 104.
(2) الجيدي: عمر بن عبد الكريم، العرف والعمل في المذهب المالكي، ص 341، وما بعدها، مطبعة فضالة، المحمدية، المغرب، 1984م.
(3) المرجع نفسه.
(4) المرجع نفسه، ص 342.
(5) الجيدي، العرف والعمل في المذهب المالكي، ص 343.
(6) المرجع السابق.