كما ذكر القاضي عياض: أن مختصر المدونة، والنوادر - وكلاهما لابن أبي زيد القيرواني [1] - عليهما المعول بالمغرب في التفقه [2] .
وقد تناول المالكية المدونة بطريقتين: طريقة أهل العراق، وتعتمد على القياس والتأويل، وتحقيق المسائل، وتقرير الدلائل، وطريقة القرويين، التي تعتمد على الضبط، والتصحيح، وتحليل المسائل، والمباحث، واختلاف التخاريج والمحامل [3] .
ويمكن القول: بأن المذهب استقر نهائيًا على مستوى العلماء والجماهير في إفريقية (تونس) ، ومنها انتقل إلى الأندلس، والمغرب، أو لعله استقر في إفريقية، والأندلس، وعبرهما عرف ازدهاره في المغرب، وغدا لشدة اقترانه وارتباطه به مذهبًا مغربيًا، أو يكاد [4] .
ولقد كان لتبادل الوفود والبعثان بين الأقطار الثلاثة: تونس، والأندلس، والمغرب الأقصى، أثر في ترسيخ المذهب على المستوى العلمي، خاصة بعد أن تأسس جامع القرويين، في فاس سنة 254هـ، وغدا مركز إشعاع في المنطقة كلها [5] .
وقد سار هذا التبادل في اتجاهين [6] :
الأول: من المغرب إلى القيروان، والأندلس، وكذا المشرق، ومن بين الذين يمثلون هذه المرحلة المبكرة: دراس بن إسماعيل (ت 357هـ) وأبو جيدة اليزناسني (ت 365هـ) وعبد الرحيم الكتامي المعروف: بابن العجوز (ت 413هـ) .
ثانيهما: من القيروان، والأندلس، إلى المغرب، فبالإضافة إلى الهجرات المتقطعة، قصدت فاسًا في هذه الفترة وفود منظمة، كان فيها العديد من العلماء، والفقهاء، سواء في هذا الإقليم أو ذاك.
أما القيروانيين: وكانوا ثلاثمائة أهل بيت، فقد وفدوا حوالي سنة 189هـ، ووصلوا مدينة فاس، وأقاموا في العدوة اليسرى وعمروها، وعرفت بعدوة القرويين، وأما الأندلسيون وكانوا جمًا غفيرًا، يقال: أربعة آلاف
(1) أبو محمد عبد الله، ولد بالقيروان سنة 310، ذاع صيته، عالمًا عظيمًا، ولقب بمالك الصغير، ورسالته أوضح عرف لفقه المالكية، ومن آثاره الرسالة، توفي سنة 386هـ، ابن العماد: أبو الفلاح عبد الحي، شذرات الذهب في أخبار من ذهب ج3، ص 130، 1979م.
(2) عياض، ترتيب المدارك، ج2، ص 494.
(3) ابن عاشور، أعلام الفكر الإسلامي، في تاريخ المغرب العربي، ص 61.
(4) الجراري، عباس، أسباب انتشار المذهب المالكي في المغرب واستمراره فيه، ندون الإمام مالك، ج 1، ص 189.
(5) المرجع نفسه.
(6) الناصري، الاستقصا، ج 1، ص 73.