الصفحة 30 من 40

وقد وضع أسد بن الفرات كتبه المعروفة بالأسدية، وكانت مبنية على الرأي، وغير مدعمة بالأحاديث والآثار، وما عليه السلف، فأنكر أهل إفريقية عليه ذلك، ورفضوها [1] . فما كان من سحنون إلا أن رحل إلى ابن القاسم [2] فعرضها عليه، فقام بتهذيبها، وتبويبها مرة أخرى مع سحنون، فأثمر عملهما هذا عن المدونة المعروفة [3] ، فوثق سحنون مسائلها، وردها إلى أصولها الأولى، واحتج لها بالأحاديث والآثار [4] .

يقول ابن عاشور: فكان سحنون بهذا الصنيع هو الذي رد الفقه المالكي في المغرب إلى طريقته المدنية الأولى، مع الحفاظ على ما أفاده أسد بن الفرات من طريقة العراق، فأرجع فقه مالك إلى موطأه، وأورد من مسائله شيئًا صحيحًا مضبوطًا، لا وهم فيه ولا اشتباه [5] .

فكان أن تميزت هذه المدرسة، بأنها بنيت على فقه الموطأ، المدعم بما صح من الأحاديث والآثار وما عليه العمل [6] .

ثم قامت المدرسة بتحقيق الفقه، فعكفت على المدونة اختصارًا، وتلخيصًا، وشرحًا، وإيضاحًا، وجمعًا. واهتمت بضبط ألفاظ المدونة، وتحقيقها، وتصحيح الروايات، وتدعيمها بالأدلة من الأحاديث والآثار لا المعقول. فكان لها منهجها الخاص بها في تدريس المدونة [7] والذي أطلق عليه اسم"الاصطلاح القروي" [8] . وتعتبر المدونة أصل المذهب المرجح روايتها على غيرها عند المغاربة، وإياها اختصر مختصروهم، وشرح شارحوهم، وبها مناظرتهم، ومذاكرتهم [9] .

(1) عياض، ترتيب المدارك، ج 3، ص 297، ص 298.

(2) أبو عبد الله عبد الرحمن العتقي، ولد بمصر سنة 132هـ ثم انتقل إلى المدينة وسمع بها دروس مالك عشرين عامًا، وهو أول مؤلف لكتاب"المدونة"، توفي سنة 191هـ، الذهبي أبو عبد الله شمس الدين، تذكرة الحفاظ، ص 356، ص 357، دار إحياء التراث العربي، مكة المكرمة، 1374هـ.

(3) عياض، ترتيب المدارك، ج 3، ص 298.

(4) المرجع نفسه.

(5) ابن عاشور، أعلام الفكر الإسلامي في تاريخ المغرب العربي، ص 27.

(6) النيفر، محمد الشاذلي، مقدمة موطأ مالك، ص 64، ط3، 1980م.

(7) العلوي الشنقيطي، عبد الله بن إبراهيم، نشر البنود على مراقي السعود، ط 1، 1988م، بيروت، ج2، ص 248.

(8) نسبة إلى القيروان، والاصطلاح القروي: هو البحث عن ألفاظ الكتاب، وتحقيق ما احتوت عليه بواطن الأبواب، وتصحيح الروايات، وبيان وجوه الاحتمالات، والتنبيه على ما في الكلام من اضطراب الجواب، واختلاف المقالات، مع ما انضاف إلى ذلك من تتبع الآثار، على حسب ما وقع في السماع، المقري، أزهار الرياض، ج 3، ص 22.

(9) عياض، ترتيب المدارك، ج2، ص 472.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت