الصفحة 17 من 40

قال"سفيان بن عيينة": كنا نسمع أهل المدينة يقولون:"إنه مالك بن أنس" [1] .

3 -ويرى العلامة ابن خلدون أن من العوامل الأساسية في انتشار المذهب المالكي ببلاد المغرب: رحلة المغاربة إلى الحجاز للحج والعمرة، وفي هذا يقول:"وأما مذهب مالك -رحمه الله تعالى- فاختص بمذهبه أهل المغرب، والأندلس، وإن كان يوجد فيه غيرهم، إلا أنهم لم يقلدوا غيره إلا في القليل، لما أن رحلتهم كانت غالبًا إلى الحجاز، وهو منتهى سفرهم، والمدينة يومئذ دار العلم، شيخهم يومئذ وإمامهم مالك بن أنس، فرجع إليه أهل المغرب والأندلس، وقلّدوه دون غيره، ممن لم تصل إليهم طريقته" [2] .

فقد كان الحجاج المغاربة يلتقون في المدينة المنورة بالإمام مالك، أو بتلاميذه، وينقلون إلى بلدهم ما سمعوه من علماء المدينة من أحكام، وبخاصة فيما يتعلق بالمصدر المعتمد في المذهب المالكي: وهو ما جرى عليه العمل في المدينة، حيث كان الإمام مالك يعتمده، ويدافع عنه، بل ويقدمه على الخبر والأثر [3] .

4 -ومنهم من يرد ذلك إلى موقف بعض السلاطين، إذ يذكر بعض المؤرخين: أن مالكًا رحمه الله سأل بعض الأندلسيين عن سيرة مالك الأندلس، فوصفوا له سيرته بقولهم: إنه يأكل خبز الشعير، ويلبس الصوف، ويجاهد في سبيل الله، فقال مالك:"ليت الله زين حرمنا بمثله" [4] . فوصل الخبر إلى ملك الأندلس فحمل الناس على مذهبه، وترك مذهب الأوزاعي [5] .

وهذا الرأي ذهب إليه الإمام ابن حزم -رحمه الله- إذ إنه يرجع سبب انتشار مذهب الإمام مالك إلى نفوذ الحكام وسلطانهم، فيقول في ذلك: مذهبان انتشرا بالرياسة والسلطان، مذهب أبي حنيفة بالمشرق، وذلك عند تولي تلميذه أبو يوسف القضاء، فكان لا يولي القضاء إلا أصحابه المنتسبين لمذهبه، ومذهب مالك في الأندلس، وذلك أن يحيى بن يحيى كان مكينًا عند السلطان، مقبولًا في القضاء، وكان لا يولي قاض من أقطار الأندلس إلا بمشورته واختياره، ولا يشير إلا بأصحابه، ومن كان على مذهبه [6] .

(1) عياض، ترتيب المدارك، ج1، ص 68، ابن عبيد البر، أبو عمر يوسف بن عبد الله، التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، تحقيق: مصطفى العلوي، ومحمد البكري، ج1، ص 85، مطبعة فضاله، المحمدية، المغرب.

(2) ابن خلدون، عبد الرحمن، المقدمة، ص 245، دار الكتاب اللبناني، بيروت.

(3) النبهان، أبحاث إسلامية، ص 232.

(4) المقري، نفح الطيب، ج1، ص 230، الناصري، الاستقصاء، ج1 ص 139.

(5) المقري، نفح الطيب، ج3، ص 30.

(6) الحميدي، أبو عبد الله محمد بن فتوح، جذوة المقتبس، تحقيق: محمد بن تاويت الطنجي، ص 183، ط، القاهرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت