المبحث الثالث
أسباب انتشار المذهب المالكي في المغرب الأقصى
اختلف الباحثون في أسباب انتشار المذهب المالكي في المغرب الأقصى، وتشبثهم به، حيث تقبله المغاربة، وتمسّكوا به مذهبًا وحيدًا، وحيث أصبح شعارًا لشخصيتهم ورمزًا لوحدتهم.
ويمكن إرجاع ذلك إلى ما يلي:
1 -ارتباط المذهب المالكي بالسنة النبوية، فالمرجع الأول في المذهب هو كتاب الموطأ، وهو كتاب حديث، وقد دخل هذا الأصل إلى المغرب الأقصى منذ العهود الأولى للدولة المغربية، وفي الموطأ أهمّ المعالم البارزة التي تؤكد منهجية هذا المذهب، وأصوله الاستنباطية، وقواعده الاجتهادية، وقد حظي هذا الكتاب بعناية واهتمام المغاربة، دراسة لأحكامه، وشرحًا لنصوصه، وتفريغًا على أصوله [1] . وسنعرض لبيان ذلك عند الحديث عن أثر المدرسة المغربية في الفقه المالكي.
2 -شخصية صاحب المذهب نفسه، فقد عرف عنه التمسّك بالسنة، ومحاربة البدعة، وتشبثه بآثار الصحابة والتابعين، وهذا ما دفع الناس في تلك الديار إلى أن يتيقنوا أن مذهبه أَوْلى بالاتباع؛ لأنه أقرب إلى روح الشريعة، خاصة أنه يلتزم باتباع نصوص الكتاب والسنة، والقياس الواضح [2] . ومما يعطي الإمام مالك -رحمه الله- شخصية متميزة عن الناس عامة، وفي المغرب الأقصى خاصة، الأثر الوارد في شأن عالم المدينة، الذي حَمَلَهُ بعض العلماء عليه، وهو قوله -صلى الله عليه وسلم-:"يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل في طلب العلم، فلا يجدون أعلم من عالم المدينة" [3] .
(1) النبهان، محمد فاروق، أبحاث إسلامية، ص 231، ط1، 1977م، بيروت.
(2) الجيدي، عمر بن عبد الكريم، محاضرات في الفقه المالكي في الغرب الإسلامي، ج1، ص 15 مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 1984م.
(3) الشيباني، أحمد بن حنبل، المسند، المجلد 2، ص 299، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت.
-الترمذي، محمد بن عيسى بن سورة، سنن الترمذي، أبواب العلم، باب ما جاء في عالم المدينة رقم 2821، وقال: هذا حديث حسن صحيح، ط2، 1983 بيروت.
-النيسابوري، أبو عبد الله الحاكم، المستدرك على الصحيحين، كتاب العلم، ج1، ص 90، وقال: صحيح على شرط الشيخين، دار المعرفة، بيروت.
-البيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين، السنن الكبرى، ج1، ص 386، دار المعرفة، بيروت، 1992م.