قال النعمان بن المنذر لكسرى في مدح العرب: «وأما سخاؤها فإن أدناهم رجلًا الذي تكون عنده البكرة والناب عليها بلاغه في حموله وشبعه وريه فيطرقه الطارق الذي يكتفي بالفلذة، ويجتزي بالشربة فيعقرها له ويرضى أن يخرج عن دنياه كلها فيما يكسبه حسن الأحدوثة وطيب الذكر» (1) .
3-وكانوا أصحاب صراحة ووضوح بعيدين عن الالتواءات والتعقيد، الصدق سجيتهم، والكذب ليس مطية لهم بل يأنفون منه ويعيبونه، أهل وفاء، ولهذا كانت الشهادة باللسان كافية للدخول في الإسلام.
وقصة أبي سفيان مع هرقل لما سأله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت الحروب بينهم قائمة قال: «لولا أن يأثروا عليَّ كذبًا لكذبت عليه» (2) دليل على أنهم كانوا يستقبحون الكذب.
أما وفاؤهم فقد قال النعمان بن المنذر لكسرى في وفاء العرب: «وإن أحدهم يلحظ اللحظة ويومئ الإيماء فهي ولَث وعقدة لا يحلها إلا خروج نفسه، وإن أحدهم يرفع عودًا من الأرض فيكن رهنًا بدينه فلا يغلق رهنه ولا تخفر ذمته، وإن أحدهم ليبلغه أن رجلًا استجار به وعسى أن يكون نائيًا عن داره، فيصاب فلا يرضى حتى يفني تلك القبيلة التي أصابته أو تفنى قبيلته لما أخفر من جواره، وأنه ليلجأ إليهم المجرم المحدث من غير معرفة ولا قرابة فتكون أنفسهم دون نفسه وأموالهم دون ماله» (3) .
فالوفاء خلق متأصل بالعرب فجاء الإسلام ووجه الوجهة السليمة فغلظ على من آوى محدثًا مهما كانت منزلته وقرابته قال صلى الله عليه وسلم: «لعن الله من آوى محدثًا» (4) .
ومن القصص الدالة على وفائهم: قصة حنظلة بن عفراء مع المنذر بن ماء السماء حين قدم عليه في يوم بؤسه وأراد قتله فطلب منه التأجيل سنة، وكذلك وفاء السموأل بأدرع امرئ القيس (5) .
(1) بلوغ الأرب (1/149) .
(2) صحيح البخاري (ح7) .
(3) بلوغ الأرب (1/150) .
(4) رواه مسلم (ح1978) .
(5) انظر عن وفاء العرب: بلوغ الأرب (1/122-140) .