ومن أروع القصص: «أن الحارث بن عباد قاد قبائل بكر لقتال تغلب وقائدهم المهلهل الذي قتل ولد الحارث وقال: (بؤ بشسع نعل كليب) في حرب البسوس، فأسر الحارث مهلهلًا وهو لا يعرفه فقال له: دلني على مهلهل بن ربيعة وأخلي عنك فقال له: عليك العهد بذلك إن دللتك عليه، قال: نعم. قال: فأنا هو، فجز ناصيته وتركه» وهذا وفاء نادر ورجولة تستحق الإكبار (1) .
ومن وفاءهم: «أن النعمان بن المنذر خاف على نفسه من كسرى لما منعه من تزويج ابنته فأودع أسلحته وحرمه إلى هانئ بن مسعود الشيباني، ورحل إلى كسرى فبطش به، ثم أرسل إلى هانئ يطلب منه ودائع النعمان فأبى، فسير إليه كسرى جيشًا لقتاله فجمع هانئ قومه آل بكر وخطب فيهم فقال: «يا معشر بكر، هالك معذور، خير من ناج فرور، إن الحذر لا ينجي من القدر، وإن الصبر من أسباب الظفر، المنية ولا الدنية، استقبال الموت خير من استدباره، الطعن في ثغر النحور، أكرم منه في الأعجاز والظهور، يا آل بكر قاتلوا فما للمنايا من بد» (2) ، وانتصر على الفرس في موقعة ذي قار، فهذا الرجل احتقر حياة الذل والاستكانة، ورأى الموت شرفًا في ساحة العز.
4-كانوا أصحاب شجاعة، ومغاوير حرب، وأحلاس خيل، وأصحاب جلادة وكانت الفروسية من أبرز أخلاقهم.
حتى كانوا يتمادحون بالموت قتلًا، ويتهاجون بالموت على الفراش قال أحدهم لما بلغه قتل أخيه: إن يقتل فقد قتل أبوه وأخوه وعمه، إنا والله لا نموت حتفًا، ولكن قطعًا بأطراف الرماح، وموتًا تحت ظلال السيوف.
وما مات منا سيد حتف أنفه ... ولا طُلّ منا حيث كان قتيل
تسيل على حد الظُباة نفوسنا ... وليست على غير الظباة تسيل
وحيث كان العرب لا يقدمون شيئًا على العز وصيانة العرض، وحماية الحريم، استرخصوا في سبيل ذلك نفوسهم.
قال عنترة:
(1) مجلة البيان، العدد الثاني.
(2) …انظر عن يوم ذي قار: تاريخ الطبري (2/207) ، صبح الأعشى (1/393) .