فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 51

فأقبل عمرو بن مالك حتى وقف بين يدي النعمان، فقال له النعمان: هل حمدت خصبًا، أو ذممت جدبًا؟ فقال عمرو: لم أذمم جدبًا، ولم أحمد بقلًا، الأرض مشكلة لا خصبها يعرف، ولا جدبها يوصف، رائدها واقف، ومنكرها عارف، وآمنها خائف، فقال النعمان: أولى لك، بذلك نجوت.

ولما كان العرب بهذه المثابة من الفطنة والذكاء كان معجزتهم القرآن، فإن لكل قوم معجزة بحسب أفهامهم وقدر عقولهم (1) .

2-أهل كرم وسخاء يسترخصون أموالهم التي تعبوا في جمعها والحصول عليها في سبيل ذلك، مما سهل عليهم بعد ذلك بذل أموالهم في سبيل الله.

وهذا لا يحتاج إلى بيان، ولا يعوزه إقامة دليل ولا برهان فقد شهد لهم بذلك القاصي والداني، واشتهر به الحاضر منهم والبادي، وقد نطقت بذلك أشعارهم وأقاصيصهم التي لا تعد ولا تحصى، وسأذكر بعضًا من ذلك:

قال الشاعر:

ومستنبحِ قال الصدى مثل قوله ... حضأت له نارا لها حطب جزل

فقمت إليه مسرعا فغنمته ... مخافة قومي أن يفوزوا به قبل

فأوسعني حمدا وأوسعته قرىَ ... وأرخص بحمد كان كاسبه الأكل

وقال آخر:

تركت ضأني تود الذئب راعيها ... وأنها لا تراني آخر الأبد

الذئب يطرقها في الدهر واحدة ... وكلَ يوم تراني مدية بيدي

وقال آخر:

وما يك فيّ من عيب فإني ... جبان الكلب مهزول الفصيل

وقال آخر:

لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ... ولكن أخلاق الرجال تضيق

( وكان من كرمهم ينزلون بالروابي والأماكن العالية وفوق الجبال حتى يراهم الضيف، وكانوا يوقدون النيران بالليل ليهتدي إليهم الأضياف، وربما أوقدوها بالمندلي الرطب وهو عطر ينسب إلى مندل وهي بلدة من بلاد الهند ليهتدي إليها العميان:

وإني لأدعو الضيف بالضوء بعدما ... كسى الأرض نضاح الجليد وجامده

ومن كرماء العرب حاتم الطائي وهو ممن اشتهر ولم يخف أمره على أحد وهو القائل لغلامه:

أوقد فإن الليل ليل قرُ ... والريح يا واقدُ ريح صر

(1) بلوغ الأرب (1/33) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت