فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 51

فقد عزمت حنظلة على الإغارة على إحدى القبائل العربية، فمر بهم راكب فأخذوا عليه الميثاق أن لا ينذرهم أو يكلمهم، فلما مر بهم الرجل علّق على شجرة عندهم وطبًا من لبن، ووضع في بعض أغصانها حنظلة، ووضع صرة من تراب وصرة من شوك، ثم ارتحل راحلته وغادرهم فلم يكلمهم، ففهم القوم من صرة التراب بأنه أتاهم عدد كثير، وأن الحنظلة رمز لقبيلة حنظلة، وأما الشوك فيخبرهم بأن لهم شوكة، وأما اللبن فهو دليل على قرب القوم وبعدهم، فإن كان حلوًا حليبًا فقد أتت الخيل، وإن كان لا حلوًا ولا حامضًا فعلى قدر ذلك، وإن كان قارصًا فعلى قدر ذلك، وإن كان خاثرًا فلهم مهلة من الرأي، وإنما ترك الرجل كلامهم لأنه قد أخذت عليه العهود وقد أنذرهم فأعدوا عدتهم وارتحلوا عن عدوهم (1) .

وقد بلغ بهم الذكاء إلى الفهم بقرع العصا كما في قصة سعد بن مالك من قيس بن ثعلبة حين قرع العصا لأخيه عمرو بن مالك، وذلك أن النعمان أرسل عمروا يرتاد له الكلأ، فأبطأ عليه فأقسم لئن جاء حامدًا للكلأ أو ذامًا ليقتلنه.

فلما قدم قال سعد للنعمان: أتأذن لي أن أكلمه؟ قال: إن كلمته قطعت لسانك، قال: فأشير إليه؟ قال: إن أشرت إليه قطعت يدك، قال: فأومئ إليه؟ قال: إذن أنزع حدقتيك، قال: فأقرع له العصا؟ قال: اقرع.

فتناول عصا من بعض جلسائه فوضعها بين يديه وأخذ عصاه التي كانت معه وأخوه قائم، فقرع بعصاه العصا الأخرى قرعة واحدة فنظر إليه أخوه ثم أومأ بالعصا نحوه فعرف أنه يقول: مكانك، ثم قرع العصا قرعة واحدة ثم رفعها إلى السماء ثم مسح عصاه بالأخرى فعرف أنه يقول قل له: لم أجد جدبًا، ثم قرع العصا مرارًا بطرف عصاه ثم رفعها شيئًا فعرف أنه يقول: ولا نباتًا، ثم قرع العصا قرعة وأقبل بها نحو النعمان فعرف أنه يقول: كلمه.

(1) بلوغ الأرب (1/37) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت