الصفحة 24 من 142

والتسخير يقودنا الى الحديث عن الموقف (الوسطي) الذي اعتمده الأسلام ازاء الطبيعة ومقارنته بمواقف الغربيين المتطرفة المتشنجة ازاءها ...

لقد تأرحج موقفهم من الطبيعة بين النقيضين ، بلغ التطرف صوب الطرف الخاطيء في كل منهما حدوده القصوى .. فهم بين خوف من الطبيعة وتعبد لها واستسلام لضغوطها وتحدياتها ، وبين حقد عليها وتحقير لها وخصام معها ..

ان تأريخ الحضارالت الاوربية ليشهد بهذه النقلة من اقصى اليمين الى اقصى الشمال .. ان الميثولوجيا اليونانية كانت تعج بالآلهة التي اشتقت من عناصر الطبيعة ونحتت من مكوناتها وعبدت من دون الله الواحد . ونحن نقرا - على سبيل المثال - في المجلد الثاني من كتاب (تأريخ العالم) الذي نشره السير جون . ا . هامرتون هذه الفقرات من بحث (ديانة اليونانيين) للدكتور لويس فارنل:"حيثما وجهنا الطرف ، وبالغا مابلغ بصرنا بعصر ما قبل المسيح نجد ان الرجل اليوناني على شيء من شعور الاحترام للشمس والقمر وللرياح المختلفة، بل لعل عددا قليلا من هيئات المجتمع كان يعبد نجما بعينه كالشعرى اليمانية مثلا ، وكانوا جميعا ميالين من سويداء قلوبهم لعبادة الانهار .. وشعور اليونانيين هذا يبين لنا جلى بيان مراحل الادراك الديني المختلفة ، تلك المراحل التي يمكن ان نميز بينها فنجعلها مراحل سفلى ومراحل عليا ."

وربما اظهرتنا عبارة هسيود التي ينصح بها الغريب اذا ما كان يجتاز مخاضة خطرة ان يركع ويبتهل (في الماء المقدس) ، على المرحلة الاولى من مراحل هذا الشعور فهذا هو الذي كانوا يطلقون عليه (حيوية المادة) اي الشعور بان الماء نفسه هو كائن ذو ادراك ، كائن حي والهي من بعض الوجوه . وفي هذه المرحلة كانوا اذا تقربوا الى الماء بالقرابين لم يروا خيرا من القذف فيه بالحيوان ، ثورا كان ام حصانا ، وهو على قيد الحياة ، ليستخلص العنصر الشعوري على النحو الذي يراه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت