ان هنالك آيات ومقاطع قرآنية عديدة تحدثنا عن هذا التسخير للعالم والطبيعة لخدمة الدور الذي انيط بألأنسان في الارض ، وهي تمنحنا التصور الايجابي لدور الانسان الحضاري ينأى كلية عن التصورات السلبية لعديد من التفاسير الوضعية التي جردت الانسان من كثير من قدراته الفاعلة وحريته في حواره مع كتلة العالم ، وتطرف بعضها فأخضعه اخضاعا كاملا لمشيئة هذه الكتلة وارادة قوانينها الداينمية الخاصة التي تجيء بمثابة امر لاراد له ، وليس بمقدور الانسان الا ان يخضع ويساير ويتقبل هذا الذي تامر به .. ان الانجاز الحضاري ، في منظور هذه المذاهب يجيء وكأن الانسان جزء او مساحة من مكوناته فحسب، وانه ليس امامه الا ان يتشكل وفق مقتضيات مسيرة اكبر حجما من ارادته وأوسع مدى من قدراته ومطامحه ونزوعاته الذاتية والجماعية على السواء ..
اننا نشهد عبر معطيات القرآن الكريم صيغة اخرى للعلاقة بين الانسان والعالم تختلف من اساسها .. صيغة السيد الفاعل المريد الذي سخرت وأخضعت له مسبقا كتلة العالم والطبيعة لتلبية متطلبات خلافته في الارض واعماره للعالم على عين الله { وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ } (52) ، وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا
طَرِيًّا (53) { وَسَخَّرَ لَكُمْ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمْ الْأَنهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمْ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} (54) ، فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي
بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (55) ، { أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} (56) ، { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} (57) .