ولقد حاول الدارسون أن يجعلوا من الأدب مضمونًا وشكلًا، وعلى الرغم من صعوبة الفصل بين الشكل والمضمون، إلا أن هذا التبسيط أو التصور يبدو ضروريًا في بعض الأحيان توارثناه عن الفلسفات القديمة التي تحاول التجزئة أو التشريح من أجل الوصول إلى إدراك أوضح للأمور المعقدة، والمسائل التجريدية، ألا يمكن أن يكون في الفكرة نفسها جمال من نوع ما، ثم ألا يوحي الشكل أو الصورة الأدبية المركبة بطريقة فريدة، ألا توحي بانطباعات وتصورات تساهم في اكتمال المعنى، وبلورة الفكرة، وتجسيد المفاهيم؟ ومع ذلك فإن هذا التقسيم للعمل الأدبي إلى شكل ومضمون يبدو ـ كما ألمحنا ـ ضرورة، وليس أدل على ذلك من أن جميع المدارس الأدبية، تحاول أن توضح جذورها الفكرية والفلسفية، أو تترجم تصوراتها عن الإنسان والكون والحياة إلى وقائع في القصة أو الرواية أو العمل المسرحي، بل وفي الشعر أيضًا، وتجعل من شخصيات العمل الدرامي بالذات نماذج معبرة ـ في حوارها وسلوكها وعلاقاتها ـ عن المضامين الفلسفية التي تؤمن بها أو تروج لها.
ولقد كان لتقسيم الأدب إلى عنصري الشكل والمضمون أثر سلبي لا يمكن تجاهله، فلقد احتفى بعض الأدباء احتفاءً زائدًا بالفكرة على حساب الشكل الفني، فاختلت الموازين الفنية، وضعف التأثير، وقلت المتعة، وكان ذلك واضحًا أشد الوضوح (الآداب الموجهة ) ـ بفتح الجيم وتشديدها ـ فتحول الأدب إلى نشرات سياسية، تنطق باسم حزب من الأحزاب، أو شعارات طنانة تهتم وتهتف باسم زعيم من الزعماء، أو أبواقًا إعلامية تتغنى بمجد حكومة من الحكومات، وتوارت القيم الفنية، فتعطلت وظيفة الأدب الأساسية في السمو بالأرواح والأذواق، وفقدت الأفكار حيويتها وجاذبيتها، وتضعضعت القيم الإبداعية، وأصبح الأدباء في ذيل الموكب للحاق بركب المنفعة، ولم تعد لهم الريادة والقيادة، فلم يكن غريبًا أن تتدهور آدابنا المعاصرة، وتتمرغ في أوحال الذلة والهوان.