وتجدر الإشارة هنا إلى أن البابا في التكية البكتاشية يتمتع بتأثير كبير على أتباعه، وخاصة على الدراويش الذين يكونون رهن إشارته. وبعبارة أخرى فإن البابا يقوم بدور حاسم في تكوينهم النفسي والثقافي والمستقبلي، إذ أنه هو الذي يختار أقرب الدراويش إليه لكي يرسله في مهمات خاصة، أو لكي يعينه على رأس إحدى التكايا الجديدة. ولتوضيح أبعاد هذا الدور لابد أن نأخذ بعين الاعتبار أن التكية لم تكن مجرد زاوية دينية بل كانت في الواقع مؤسسة دينية -اجتماعية- ثقافية مهمة في المنطقة التي تتواجد فيها. فبالإضافة إلى الدور الديني كانت التكية تنشط كديوانية اجتماعية مفتوحة للجميع يتردد إليها الشيوخ والشباب، المتعلمون والأميون، الموظفون والفلاحون، حيث يتسامرون في مختلف الأحاديث ويتمتعون ببعض الاحتفالات الخاصة (20) . والأهم من هذا وذاك أن التكية كانت مركزًا ثقافيًا أيضًا. فقد كان الدراويش يقضون هنا السنوات الطويلة وهم يتعلمون اللغات الأساسية (العربية والتركية والفارسية) ويطلعون على المؤلفات الكلاسيكية الأدبية والصوفية بتلك اللغات، وينسخون المخطوطات ويكتبون بدورهم المؤلفات الصوفية والأعمال الأدبية في اللغات المذكورة أو في اللغات المحلية (البلقانية) . ومن هنا فقد كانت كل تكية تتضمن مكتبة غنية بالمخطوطات الشرقية (العربية والتركية والفارسية) ، وهذا ماجعل للبكتاشية أدبًا غنيًا في عدة لغات (21) . وهكذا بالاستناد إلى هذا فإن وجود الآباء العراقيين طيلة تلك الفترة الطويلة على رأس هذه التكية المهمة كان يعني فيما يعني تعزيز الصلة الروحية - الثقافية بين دراويش تلك المنطقة، الذين سيلعبون دورًا كبيرًا في المستقبل، مع الشرق بشكل عام والعراق بشكل خاص.