إن العنوان الذي وضعه الاقحصاري لرسالته يوضح أيضًا أقسام الرسالة، فهي تتألف من مقدمة وثلاثة أقسام يتعلق الأول منها بالقهوة، والثاني بالدخان، والثالث بالأشربة المحرمة. وفي المقدمة يذكر المؤلف الدافع الذي حفزه إلى تأليف هذه الرسالة، وهو سؤال"أحد الأفاضل"له عن هذه الأمور، ثم ينتقل إلى قضية مهمة ألا وهي مكانة العالم في المجتمع الإسلامي حيث تتجه أنظار الناس مع كل أمر طارئ وصوب العلماء لمعرفة آرائهم، ولذلك يؤكد الاقحصاري ضرورة نزاهة العلماء فيما يقولونه. وواضح من المقدمة والسياق أن الاقحصاري ليس أول من يكتب في هذا المجال، فيما يتعلق بالقهوة والدخان، بل إنه يفيدنا في ذكر مؤلفات سابقة اطلع عليها ويناقشها في هذه الرسالة.
في القسم الأول يستعرض المؤلف الخلاف الشائع حول القهوة، وهو لايخفي منذ البداية تعاطفه مع القهوة بالاستناد إلى تجربته الشخصية أيضًا إذ يذكر أنه جربّها ووجد في شربها"معونة على مطالعة الكتب وقيام الليل لكونها رافعة للكسل والنوم". ويرفض المؤلف هنا موقف بعض العلماء في مشابهة أو مقارنة الدخان بالقهوة، إذ يرى أن هذا"مما لايرضاه من له عقل سليم أو طبع مستقيم". ويلاحظ هنا أن الاقحصاري يعتمد على ماقاله الفقهاء وحتى الشعراء لإقناع القارئ بفوائد شرب القهوة، وبالتالي بعدم جواز تحريمها.
أما القسم الثاني فقد خصّصه المؤلف للدخان. وليس من المستغرب هنا أن يتعرض الاقحصاري للدخان والقهوة في رسالة واحدة لأنهما ظهرا تقريبًا في وقت واحد في الدولة العثمانية، وترافق شربهما معًا حتى أصبح احتساء القهوة يرتبط في الغالب بتدخين التبغ [1] .
(1) حول بداية ظهور الدخان في الدولة العثمانية وموقف الفقهاء منه انظر ملاحظات الخياري المعاصر (توفي 1083هـ/1671م) الذي تعرض إلى ذلك حينما كان يجول في البلقان، بالقرب من مدينة قولة (كافالا Kavala) ، التي ستشتهر لاحقًا بزراعة وصناعة الدخان.
... إبراهيم بن عبد الرحمن الخياري المدني، تحفة الأدباء وسلوة الغرباء، تحقيق رجاء محمود السامرائي، ج1، بغداد، 1969، ص263.