وبعد خمس عشرة سنة أخرى (8 رمضان 978هـ /4 شباط 1571) نجد وقفية مهمة للصرب موثقة في المحكمة الشرعية بالقدس. وفي الواقع أن أهمية هذه الوقفية، التي تنشر هنا لأول مرة، تكمن أولًا في الكشف عن"وجود صربي في قرية بيت لحم"، إذ أنها تتحدث عن قيام"بغدان ابن القس حريز (؟) النصراني من القرية المزبورة"بوقف دار واسعة في حارة الغوانمة ببيت لحم تشتمل على طابقين وساحة وعدة غرف ومخزن التين ومأوى للدواب الخ. والأهم من هذا ما ورد في هذه الوقفية بشكل واضح يقول أن هذا الوقف مخصّص لـ"رهبان طائفة النصارى السرب القاطنين بدير السرب بمدينة القدس الشريف، الكائن به كنيستهم، والمقيمين أيضًا بدير السيق ظاهر مدينة القدس الشريف الكائن به كنيستهم، والواردين لزيارة كنيستهم الكائنتين بالديرين المزبورين أعلاه" (39) .
وهكذا توضح هذه الوقفية بشكل لا يقبل الالتباس أن"دير السيق"قد أصبح مقرًا للرهبان الصرب ومقرًا لكنيستهم أيضًا، وهو ما ستؤكده المعطيات اللاحقة أيضًا وتجدر الإشارة أخيرًا إلى أن هذه الوقفية تثير مرة أخرى الانتباه حول لجوء المسيحيين لتأسيس أوقاف لهم على الطريقة الإسلامية، وموثقة حسب الأصول في المحكمة الشرعية. وفي الواقع أن الفقه الإسلامي كان يحظر على اليهود والمسيحيين أن يقيموا الأوقاف لأجل معابدهم الدينية (40) ، إلا أن المصادر المملوكية تكشف لنا عن استثناءات تتعلق بالقدس بالنسبة لليهود والمسيحيين على السواء (41) . ومع هذه الوقفية يبدو بوضوح أن هذا الأمر- الاستثناء قد استمر أيضًا في مطلع العهد العثماني، بل إن الإدارة العثمانية قد اعترفت أخيرًا بالأمر الواقع وأعطت الأوامر في 1570م لتسجيل أوقاف الكنائس بسنجق القدس في دفاتر التحرير (42) .