وأخيرًا لدينا من نهاية القرن الأول للحكم العثماني (1022هـ/ 1613) حكم سلطاني مهم موجه إلى قاضي القدس، ومتعلق بدير مارسابا المذكور. وفي الواقع أن أهمية هذا الحكم تكمن في أنه يذكر بشكل واضح أن"الدير القديم المعروف باسم مارسابا، الكائن في المكان المهجور شرق مدينة القدس، (يعود) لرهبان السرب" (43) . ومن ناحية أخرى يبرز هذا الحكم أهمية الدير في ذلك"المكان المهجور شرق القدس" (44) حيث كان الرهبان"يقدمون الماء والخبز للمارين الذين يعبرون تلك الصحراء"، ولذلك فقد أعطي الإذن للرهبان لكي يرمموا الدير بعد أن أصبح يتعرض إلى هجمات البدو. وفي الحقيقة لقد كانت الإدارة العثمانية مشغولة طيلة القرن الأول في الحد من هجمات البدو على الطرق المهمة التي تخترق المناطق المقفرة، ولذلك فقد دعمت مثل هذا الدير وأنشأت خانات أخرى لتوفير الحماية والاستراحة للمسافرين على تلك
الطرق (45) .
أما فيما يتعلق بالدير الثالث (مار جرجس) الذي كان القديس سافا قد أوصى ببنائه في عكا خلال زيارته الأولى (1229) ، والذي نزل فيه خلال زيارته الثانية (1234) ، فقد هدم على ما يبدو مع جملة ما هدم في عكا بعد طرد الصليبيين منها في سنة 690هـ/ 1291م على يد السلطان المملوكي الأشرف خليل الذي"أمر بمدينة عكا فهدمت إلى الأرض ودكت دكًا"، كما يقول المؤرخ أبو الفداء المشارك في هذه الموقعة (46) ، وفي الواقع لقد استمرت عكا كومة من الأنقاض خلال القرن الرابع عشر (47) ، بينما أخذت تظهر في جوار"الخراب"قرية جديدة في القرن الخامس عشر (48) . وقد بقيت عكا تبدو كقرية حتى نهاية القرن السادس عشر حين أنشأ فيها الصدر الأعظم سنان باشا وقفه الضخم الذي اشتمل على جامع ومدرسة وخان وحمام وفرن، الذي شكل نواة مدينة
جديدة (49) . وتجدر الإشارة هنا إلى أن الصرب كانوا يعتبرون حتى وقت متأخر (منتصف القرن التاسع عشر) سنان باشا واحدًا منهم (50) .
( هوامش