فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 92

وفي ظل هذا النموذج الجديد المبشر به باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية التجارة اتجهت الولايات المتحدة لفرض خياراتها على مجموعة من حلفائها الأوربيين، فضلًا عن دول العالم الثالث، وهذا يعني أن الولايات المتحدة التي أصبحت بعد سقوط الاتحاد السوفيتي الدولة الأقوى في العالم صارت تخلق أسبابًا تخولها ملاحقة كل أشكال الطموح والتميز في العالم، والذي قد يسبب يومًا ما مزاحمة للإدارة الأمريكية، ولم يكن مفاجئًا أن تخرج الولايات المتحدة أكثر من مرة عن الخارطة الدولية في الأمم المتحدة؛ لتتبنى قرارات أحادية الجانب، أو تعترض على إجماع دولي.

حين واجهت الولايات المتحدة ضربات الحادي عشر من سبتمبر تحرك القرار الأمريكي لمواجهة ما يسميه بالإرهاب ضمن مطالبة الدول بالتحالف مع الولايات المتحدة، دون أن تقدم الإدارة الأمريكية خطة تحدد مفهوم الإرهاب، وصور معالجاته، بل تمثلت الحركة الأمريكية في ترسيم (العنف والعنف المضاد) كخيار للعالم في هذا القرن، ومن المؤكد أن الإدارة الأمريكية مع شمولية نظرتها في تصنيف الإرهاب, وأن كل من يعارضها سيكون ملاحقًا في هذه الحرب التي قد تأخذ في البداية تجاربًا على مجموعة من الضعفاء, كما هو الحال في ضرب المدنيين في أفغانستان، وهذا يعني أن هذه الحرب لن تقف - حسب طموح إدارة الصراع في الولايات المتحدة - حتى تنتهي كل أشكال الاستقلالية والطموح الذي يختار مسارًا آخر قد لا تتذوقه الإدارة في الولايات المتحدة، وهنا فإن الاصطدام الأمريكي لن يكون بدول العالم الإسلامي فقط - التي حافظ الغرب على تخلفها التقني - بل سيكون الحياد ذاته شكلًا من أشكال الإرهاب في نظر الإدارة الأمريكية، حتى مع الدول الأكثر تقدمًا وقدرة على تقرير مستقبلها الخاص، وهذا يعني أن الخطة المعلنة ستصنع كارثة عالمية تتجه لتقويض الأمن المدني، وضرب جميع صور الاستقلال السياسي والثقافي في العالم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت