أستغفر الله أن أكون قسوت على أهلي ومجتمعي، ولكن الباحث حين يقصد إلى معالجة ظاهرة ما يتجه إلى حشد النظائر واستكمال الرؤية, ولو أردنا أن نتحدث عن مظاهر الرحمة وآثارها في علاقاتنا وحياتنا لفعلنا. والله وحده المستعان.
وداعًا للقسوة.. ! (1)
تتسم الشخصية القاسية عادةً بعبوس الوجه، وتقطيب الجبين، وغياب الابتسامة، وحينما يحاول صاحبها أن يبتسم تتجمد ملامحه، ويحسّ بالخجل، وقد يذهب به الوهم إلى أن البسمة تسبب له الازدراء وتزيل هيبته لدى الناس.
وكأن النبي - صلى الله عليه وسلم - عناه حينما ضرب مثلًا للبخيل الذي لبس جبّة أو جنّة و (كُلَّمَا هَمَّ بِالصَّدَقَةِ انْقَبَضَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ إِلَى صَاحِبَتِهَا وَتَقَلَّصَتْ عَلَيْهِ وَانْضَمَّتْ يَدَاهُ إِلَى تَرَاقِيهِ؛ فَيَجْتَهِدُ أَنْ يُوَسِّعَهَا فَلاَ تَتَّسِعُ) رواه البخاري ومسلم.
لقد تضخمت عنده (الأنا) ، واكتمل لديه الترسم الإمبراطوري، حتى أضحى جلده كجلد التمساح، ودموعه كدموعه، وبالتالي ضعف إحساسه بالآخرين، وغابت روح الجماعة، وحينما يتحدث عن (التعاون) ؛ فهو يريده من الآخرين، دون أن يضع نفسه معهم على قدم المساواة، وهذا ناتج عن ضعف سيطرته على نفسه، واسترساله وراء النوازع الشريرة، كحب الذات وسوء الظن بالناس.
وهو يعاني -ولابد- من الجفاف العاطفي، وربما كانت العاطفة يومًا جذوةً قابلة للاشتعال، ولكن ضعف التعبير عنها رَاكَم عليها التراب حتى صارت في عداد الموتى. لا يستطيع لسانه أن يقول لولده: أحبك. أو أن يقول لزوجته كلمة ملاطفة أو وداد. هو يقول: هذا معروف، ولا يحتاج إلى تعبير أو حديث، والحقائق تقول: الحب والعاطفة شجرة يسقيها التعبير عنها بالقول وبالفعل، ويقتلها الصمت.
(1) تب هذا المقال بتاريخ: 14/11/1425هـ