وكانت الآيات تنزل في مناسباتها، حربًا أو سلمًا، نصرًا أو هزيمة، حادثة فردية أو جماعية، أو حتى أسرية أو شخصية لتربي المسلمين من خلال الحدث، كما في الآيات في آل عمران تعقيبًا على هزيمة أحد، وفي الأنفال تعقيبًا على بدر، وفي الأحزاب تعقيبًا على تحزب طوائف الكفر وملله ضد المسلمين، بل وفي المجادلة تعقيبًا على مشكلة عائلية خاصة، فهذا منهج قرآني، وفي سورة الحشر تعقيبًا على إحدى المعارك مع اليهود يقول تعالى:"فاعتبروا يا أولي الأبصار"، وفي قوله تعالى:"إن مع العسر يسرا"تصريح بقانون يقول بأن كل أزمة أو نكبة فهي في الوقت ذاته فرصة جيدة إذا أحسن استخدامها، واليسر هنا (مع) العسر، وليس (بعده) كما يقول بعض الناس، و (لن يغلب عسر يسرين) ومن اليسر أن ينهمك الناس في حركات تصحيحية جادة على الصعيد الفردي والأسري والجماعي والشعبي والحكومي، ربما كان متعذرًا في وقت ما، لكن يبدو ممكنًا عند حدوث الزلزال الذي يهيئ النفوس للتغيير !
وفي سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: (إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فاستطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليغرسها) رواه الإمام أحمد في مسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه.
إن البعض قد يضيق من انخراط الناس وانهماكهم في أعمالهم الصالحة و في أعمالهم الدنيوية وقد يظن أن هذا يتنافى مع احتدام الشعور بالحزن أو الغضب على ما يجري، والواقع أن هذه وصفة نبوية، فالحياة مستمرة، والدعوة قائمة، والجهاد قائم، والعلم قائم، والناس عاملون، هذا في دنياه، وهذا في أخراه، وهذا في زرعه، وهذا في بره، وهذا في بحره، وهذا في فضائه، وهذا في ميدانه"قل كل يعمل على شاكلته"حتى يأذن الله بخراب الكون.
وخطابنا يجب ألا يركز على النُّواح بقدر ما يركز على العمل، و العمل الجاد.
وهذا هو التوظيف الأول للحدث: توظيفه باتجاه الأعمال الجادة النافعة على قاعدة (فليغرسها) .