المرذولة مطلبًا تُلتمس له السبل. وشاعت روح التبرير المخادعة المنحطة وهي تتقنع بقناع الموضوعية وترتدي لباس ربة الحكمة، وتنطق ظلمًا وخداعًا باسم العقل والمنطق، وتحكمت في المثقفين (أو في القائمين على الثقافة) شوائب"الذات"ومصالحها الضيقة وطموحها غير المشروع" [1] ."
وفي ظل هذه الثقافة المأزومة لم يعد للدراسات اللغوية والأدبية، بل لم يعد للغة ولا للأدب (الحقيقي) أية قيمة حقيقية في الواقع (سواء الواقع العام أو الواقع الثقافي) .
وفي الحقيقة فإن ضعف اللغة والشعر بل والأدب عامة قد بدأ منذ وقت مبكر ربما يعود إلى وقوع بغداد سنة (655هـ/ 1258م) ودمشق (658هـ/ 1260م) في أيدي الغزاة من التتر على يد هولاكو الذي قضى على الخلافة العباسية وخرّبَ بغداد، وحرق المكتبات، وهدم دور العلم، وألقى بألوف المخطوطات التي تضم عيون الثقافة العربية الإسلامية وتحوي تراثها في النهر، ثم معاودة التدمير على يد حفيد هولاكو"تيمور لنك"وغزوه الحواضر الثقافية العربية الثلاث: دمشق، القاهرة، بغداد (787 - 802هجرية) (1386 - 1400 ميلادية) وفعل ما فعله جده من قبل ببغداد ودمشق.
وقد زاد الضعف الثقافي والأدبي بتولي المماليك مقاليد الحكم في مصر والشام، تم وصل إلى منتهاه إبّان حكم الأتراك العثمانيين (921 -1212هـ) (1516 - 1798 ميلادية) حيث بلغت اللغة وبلغ الشعر غاية الضعف حتى فقد الحياة وانتهى إلى سكرات الموت خلال القرون الثلاثة المتعاقبة من حكمهم، ولم يعد هناك من يتذوقه لسطحية موضوعاته وتفاهتها، وضعف أسلوبه وركاكته، وجهل القارئين له، ولم يبق للغة العربية جلالها وبهاؤها على ألسنة الناس وفي مسامعهم. وقد عم الجهل وحرمت مصر والبلاد العربية من مصادر ثقافتها وتعليمها بغلق المدارس ونقل الكتب وترحيل الخبرات من العلماء والمهندسين ورجال الفنون وأصحاب الحرف إلى تركيا ليقيموا للأتراك حضارة كانوا يفتقدونها في دولتهم الناشئة.
وفوق ذلك، أُلغي ديوان الإنشاء، وفُرضت اللغة التركية لغة رسمية، بغية تتريك العالم العربي. حينئذ لم يجد الشعراء من يتذوق شعرهم أو يشجعهم على الإجادة فيه، فانصرفوا عن التجديد والابتكار، واتجهوا إلى التقليد والتكرار، ونزلوا بالشعر إلى الحضيض لجهلهم من ناحية، وفقدان القدوة والمثل والمعلم من ناحية أخرى. ومن ثم صار الشعر - كما سبق - كالجسم الهامد أو الجسد المحتضر، في حاجة إلى من يمنحه القدرة على الحس والنبض، وينقله من حالة الانهيار والجمود والاحتضار إلى البعث والإحياء.
(1) د. وهب أحمد روميَّة: شعرنا القديم والنقد الجديد، سلسلة عالم المعرفة (رقم 207) ، الكويت، شوال 1416هـ - مارس 1996م، ص 13.