ومحاولات إحياء تراثنا الشعري والأدبي عامة تستوجب منا إعادة قراءة أدبنا القديم، قراءة نقدية موضوعية، وألا نفرض على النص الأدبي الذي ننقده قراءة واحدة بزعم أنها جمعت كل ما في النص، وكل ما يمكن أن يقال فيه، لأن مثل هذا الاتجاه في النقد والدراسات الأدبية لا يعني سوى شيء واحد هو"موت النص"ومن ثم موت تلك الثقافة التي أنتجت ذلك النص وغيره من النصوص.
وها هنا تحضرني عبارة قالها"أدونيس"في لقاء له بمكتبة الإسكندرية قال فيها:"لا ينقد الشعر إلا شاعر"وذلك حتى يتسنى له أن يلج دنيا الشاعر الرحبة ويحيا معاناته ويدرك الأبعاد الجمالية والشعرية (الشاعرية) فيما ينتجه الشاعر ويبدعه من صور شعرية ومعان متضمنة، وهي تذكرني أيضا بقول المتنبي:
لا تَعْذُلِ المشتاقَ في أشواقهِ حتَّى يكونَ حشاكَ في أحشائِهِ ... (المتنبي)
(بحر الكامل)
وهذه العبارة"الأدونيسية"تثير عندي مجموعة من الأسئلة مثل:
ما منبع الجمال في الشعر؟ أهو الأثر الفني أم الشاعر، أم الشخص الذي يوجه إليه الشعر؟ وبعبارة أخرى: أتكمن قيمة الشعر الفنية والمعنوية في (الرسالة) أم في (المُرْسِل) أم في (المْرْسَل إليه) ؟ ولعلى أرى أن الجمال في الشعر مصدره كل هذا. ومن ثم فإن علينا ونحن ننقد شعرنا العربي بل والأدب جملة أن نراعي كل مواطن ومصادر الجمال في الشعر والأدب لنخرج من نقدنا لهذه الأعمال الأدبية بصورة جمالية وأدبية جديدة، ونجعل النص يفصح عن مضامين جديدة لم يفصح عنها من قبل، ليكون هذا النقد بمثابة إبداع جديد ينبني على النص المفقود ولكنه ينتج نصًا إبداعيًا جديدًا.
وفي الحقيقة فإن كثيرًا من نصوص الأدب العربي القديم لا تزال رغم عوادي الدهر وغِيَرِ الأيام تفيض عافية وحيوية وهي بحاجة فقط إلى من يخرجها وينقلها - نقلا علميًا - من خزانات الكتب إلى عقول الباحثين ووجدان الأفراد والشعوب.
وها هنا نحن نتعرض بشكل سريع لبعض من هذه المؤلفات اللغوية والأدبية التي تحدت الأيام وقاومت كل عوادي الدهر لألفِ عامٍ أو يزيد.