والنبي - صلى الله عليه وسلم - قاعد في المسجد ومعه أبو بكر - رضي الله عنه - فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله، لقد أقبلت وأنا أخاف أن تراك قال رسول الله وَإِذَا إنها لن تراني وقرأ قرآنًا فاعتصم به كما قال وقرأ وَإِذَا وَإِذَا الْقُرْآَنَ الْقُرْآَنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (45) فوقفت على أبي بكر - رضي الله عنه - ولم تر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا أبا بكر أُخْبِرتُ أنَّ صاحبك هجاني. فقال: لا ورب هذا البيت ما هجاك قال: فولَّت وهي تقول: قد علمت قريش أني ابنة سيدها" [1] "
والشواهد على هذه كثيرة من السيرة، وكلها تدلُّ على انتقاء النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يناسب الحال والمقام، وجاء عن السلف رحمهم الله في حُسْنِ تأملهم وانتقائهم الشيء العجيب، فقد حكى ابن قيم الجوزية رحمه الله عن الإمام أحمد رحمه الله بقوله: قال المرْوَزِيُّ: بَلَغَ أبا عبد الله أني حُمِمْتُ، فكتب لي من الحُمَّى رقعةً فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله، وبالله، محمدٌ رسول الله {يَا نَارُ يَا نَارُ كُونِي وَسَلَامًا وَسَلَامًا إِبْرَاهِيمَ إِبْرَاهِيمَ (69) وَأَرَادُوا كَيْدًا كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70) } اللَّهُمَّ ربَّ جبرائيلَ، وميكائيلَ، وإسرافيلَ، اشفِ صاحبَ هذا الكتابِ بِحَوْلِك وقُوَّتِكَ وجَبَرُوتِكَ، إلهَ الحق آمين. [2]
ونقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أنه كان له شأن في علاج الرعاف ما ذكره عنه تلميذه ابن القيم رحمه الله فقال:"كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله يكتب على جبهته وَقِيلَ {يَا أَرْضُ مَاءَكِ مَاءَكِ أَقْلِعِي أَقْلِعِي الْمَاءُ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ} وسمعته يقول كتبتها لغير واحد فبرأ". [3]
وكذا انتقاؤه لآيات السكينة ولغيرها وقد مَرَّ معنا سابقًا والوقائع في مثل هذه الأسرار الربانيّة، والحكم العليّة، ما لا تخطر على بال.
(1) أخرجه الحاكم في المستدرك (2/ 393) وقال:"صحيح الإسناد لم يخرجاه"ووافقه الذهبي، وأبو يعلي (1/ 53) وعنه ابن حبان (14/ 440) وصححه الشيخ الألباني رحمه الله في صحيح السيرة النبوية برقم (137)
(2) زاد المعاد (4/ 354)
(3) المصدر السابق (4/ 356)