فصل
منهج اختيار الآيات
من الجدير بالذكر التنبيه على أمرٍ هام، ذلكم أن انتقاء الآيات في هذه الرقية الشرعية في الأغلب ليس معتمدًا على نصٍ صحيح، والذي صَحَّ الحديث في فضلها معدود وقليل [1] ، والذي لم يصحُّ منها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - استأنست في انتقائه مما كان بعض العلماء الربانيين يقرؤون بها على من به علة، أو يكتبونه لهم ويستشفون به؛ فالقرآن كله شفاء، ولكن بعض الآيات يكون انتقاؤها لنية يريدها الراقي تناسب معنى، أو تفيد علة، وفيها سِرٌّ [2] قلَّ أن يَعِيَهُ إلا خواص العلماء، ممن دقَّ فهمه، وثقب فكره، وحَسُنَ تأمله في كتاب ربه، وفتح الله عليه بخلاف من شطح وزعم أنها من الأسرار الربانية وهي بذاتها تخالف كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - [3] فالرقية جُلُّ أمرها بالنيَّة، ولعل فعل الصحابي الذي رقى اللديغ حين اجتهد واستنبط، أدَّاهُ استنباطه إلى أن ينتقي الفاتحة ولم يزد عليها.
قال الكحَّال رحمه الله: قوله - صلى الله عليه وسلم -"وما يدريك أنها رقية":"دليلٌ أنَّ القرآنَ وإنْ كان كلّه مَرْجُوّ البركةِ، فيه ما يَختَصُّ بالرُّقيةِ دون جميعه." [4]
بل جاء في بعض الروايات أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ينتقي بعض الآيات لمناسبة حال يريدها. فأخرج الحاكمُ رحمه الله في مستدركه، عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما قالت: لما نزلت سورة {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} أقبلت العَوْراءُ أمّ جميل بنت حرب، ولَهَا وَلْوَلَة، وفي يدها فِهْر (حَجَر) وهي تقول: مُذمّمًا عصينا. . وأمْرهُ أبينا. . ودينه قليَّنا (تركنا)
(1) قال ابن قيم الجوزية رحمه الله في المنار المنيف (114) بعد أن ذكر فضل سورة البقرة وآل عمران والكهف والملك والزلزلة والكافرون والإخلاص والمعوذات، قال:"ثم سائر الأحاديث بعدُ، كقوله من قرأ سورة كذا أعطي ثواب كذا فموضوعة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد اعترف بوضعها واضعها؛ وقال: قصدتُ أن أشغل الناس بالقرآن عن غيره! وقال بعض جهلاء الوضاعين في هذا النوع: نحن نكذب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا نكذب عليه، ولم يعلم هذا الجاهل أنه من قال عليه ما لم يقل فقد كذب عليه واستحق الوعيد الشديد"اهـ.
(2) ومن نفائس العلاّمة الأديب المجاهد سيد قطب رحمه الله:"إن هذا القرآن لا يعطي سرِّه إلا للذين يخوضون به المعركة، ويجاهدون به جهادًا كبيرا"أعلام الدعوة والحركة الإسلامية (671) عبد الله العقيل.
(3) كما أغرب بعض الرقاة وأبعد النَّجْعَة، فزعم أن لديه خُدَّامًا لسور القرآن!! وجنًّا صالحين؟!! تفرد هو بهم عن غيره وسُخِّروا له لصلاحه وتقواه؟!! وربما كان غير مصلٍّ وأثر المعصية في وجهه وربما شاربًا للدخان؟ فكيف يكون لهذا خدامًا؟ وعلى ماذا يخدم؟ ما هم إلا شياطين الجن تزيده رهقًا ورجسًا ووبالًا نعوذ بالله من الخذلان، فهذا كله من العبث والضحك على عقول الناس وللأسف كثير من سذج الناس يصدقون مثل هذه الأمور. وقد سبق الحديث عمن زعم بأسرارٍ لأسماء الله الحسنى، أنظر ما سبق صـ ( ... )
(4) الأحكام النبوية لعلاء الدين الكحّال (86)