الصفحة 9 من 697

وخلف هذين الخليل بن أحمد الفراهيدي (175هـ) وهو بحق عميد النحاة، قال الزُّبيدي الإشبيلي الأندلسي في كتابه (مختصر كتاب العين) :"فهو الذي بسط النحو ومدّ أطنابه وسبَّب علله وفتق معانيه وأوضح الحِجاج فيه حتى بلغ أقصى حدوده. ثم لم يرض أن يؤلف فيه حرفًا أو يرسم فيه رسمًا. واكتفى في ذلك بما أوحى إلى سيبويه من علمه، ولقَّنه من دقائق نظره ونتائج فكره ولطائف حكمته، فحمل ذلك عنه وتقلده، وألَّف فيه الكتاب الذي أعجز من تقدم وامتنع على من تأخر بعده". وقال ابن الأنباري في نزهة الألباء:"وهو الذي بلغ الغاية في تصحيح القياس واستخراج مسائل النحو وتعليله". وقد شفَّت أعمال الخليل حقًا عن عبقرية نادرة إذ اختط للنحو نهجًا سليمًا فكان فيه بعيد الغور فسيح الخطوة، وألَّف أول معجم في العربية وهو (كتاب العين) فكان معجمًا فريدًا رتب فيه المواد على الحروف بحسب مخارجها، وقد التزم نهجه الأزهري في تهذيبه وابن عباد في محيطه والقالي في بارعه.

ورصد الخليل الأصوات اللغوية وصفاتها فكان له فيها رأي متقدم حصيف. وتعلق بموسيقا الشعر فانفرد بوضع العروض واتخذ لأوزان القصيد ستة عشر بحرًا كشف فيها عن حذقٍ في الفن ولطافة في الحس. وقال السكاكي في (مفتاحه) في سبق الخليل هذا:"لا يظن أحد الفضول عندهم في هذا الباب من ضمّ زيادة.. فضلًا عن الإمام الخليل بن أحمد، ذلك البحر الزاخر مخترع هذا النوع، وعلى الأئمة المغترفين منه من العلماء المتقدمين/ 275". فلم يشارك الخليل في ميدان من ميادين العلم إلا كانت له القدم الفارعة فبدا فيه أسبق العلماء غير مدافع وأفضلهم غير معارض. وكان أبو محمد التوجي يقول: (اجتمعنا بمكة- أدباء كل أفق- فتذاكرنا أمر العلماء حتى جرى ذكر الخليل، فلم يبق أحد إلا قال: الخليل أذكى العرب، وهو مفتاح العلوم) (المزهر- 2/249) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت