الصفحة 10 من 697

وجاء الأخفش الأكبر أبو الخطاب عبد الحميد بن عبد المجيد (177هـ) وقد روى عنه سيبويه ولم يذكر أحد أنه كان صاحب قياس أو تعليل، فإذا جاء باستدلال ذهني كان أدنى إلى خصوص اللغة، واتخذ وجهًا من وجوه الاعراب كان ألصق بسلامة المعنى.

وجاء سيبويه أبو بشر عمرو بن عثمان (180هـ) فطلع على الملأ بكتابٍ فذ سديد المنهج، مطَّرد التنسيق، جامع، غزير المادة، يعوّل فيه على الأكثر والأغلب. ينهج طريق القياس والتعليل ويعلِّّم البحث فيهما كما يعلِّم النحو. وقد اختلف سيبويه إلى مجلس أستاذه الخليل في البصرة، وطلاب العلم فيه كثُر يزحم بعضهم بعضًا، وقد أقبل على أستاذه يطيل الاستماع إليه والتلقي عنه ويتلطف لما يعي فيتضلَّع منه ويستجلي غوامضه فيقلِّب فيه الرأي ويصرف الفكر، وقد لفت سيبويه نظر أستاذه بذكائه وفطنته فكان محل عنايته وموضع اختصاصه، وقد قال له يومًا (مرحبًا بزائر لا يملّ) وما كان يقوله لسواه.

استوفى سيبويه ما أملى عليه أستاذه رواية ورأيًا وتعليقًا وشرحًا ففاضل ووازن وأحكم الرأي فأدى فأحسن التأدية. كان صادقًا فيما أداه. تلقى سيبويه أصول النحو عن (يونس بن حبيب) خاصة كما استوعبه عن الخليل. قال يونس حين قرأ كتابه سيبويه:"يجب أن يكون هذا الرجل قد صدق عن الخليل في جميع ما حكاه، كما صدق فيما حكاه عني".

أخذ سيبويه بالأكثر والأغلب، فقاس عليه، دون القليل أو الشاذ، وقال في باب (أيّ) من كتابه (1/398) :"فلا ينبغي لك أن تقيس على الشاذ المنكر في القياس". وقال في باب (بناء الأفعال المتعدية- 2/214) :"فإنما هذا الأقل نوادر تحفظ عن العرب ولا يقاس عليها ولكن الأكثر يقاس عليه". وقال في باب (ما لحقته الزوائد من الأفعال المتعلة- 2/362) :"ولا ينكر أن يجعلوها معتلة في هذا الذي استثنينا لأن الاعتلال هو الكثير المطرد"، ونظير ذلك كثير في الكتاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت