وقد جمع تصحيحًا على (المنكرات) أيضًا. قال صاحب الأساس (وهم يركبون المنكرات والمناكير) . ولكن ما سر جمعه على مناكير دون مناكر؟ قال الرضي (وإنما أوجبوا الياء فيهما مع ضعفها في نحو معاليم جمع معلم، ليتبين أن تكسيرهما خلاف الأصل، والقياس التصحيح) . فإذا صح هذا فإنه يعني أنهم أرادوا أن ينبهوا على شذوذ جمع منكر تكسيرًا، فضموا إلى شذوذه هذا في الجمع شذوذًا آخر، وهو إضافة الياء! وعندي أن لجمع منكر على مناكير تأويلًا آخر. ذلك أنه جاء منكر ومنكور بمعنى، فاستغنوا بجمع منكور وهو مناكير عن جمع منكر على مناكر واكتفوا بمناكير جمعًا لمنكر ومنكور.
ففي الاشتقاق لابن دريد (329) : (نكرة بضم الأول فعلة من الشيء المنكر والمنكور، نكرته وأنكرته) فنكره كأنكره والمنكور كالمنكر. ففي الأساس (أنكر الشيء ونكره بالكسر واستنكره، وقيل نكر أبلغ من أنكر، وقيل نكر بالقلب وأنكر بالعين) . وليس يصح التعلق بتأويل والتعويل عليه لأنه إذا صدق هذا في جمع منكر على مناكير حار الرأي في تأويل مفطر على مفاطير. وليس بدعًا على كل حال أن تشرد ألفاظ فتنبو على الأصل على أن بيت القصيد هو أن جمع المنكر جمع تكسير ليس شذوذًا في الأصل، ولو ذهب إلى هذا كثيرون فسترى أن كثيرًا مما قالوا بشذوذه في هذا الباب. كان تفرده في الحكم لسبب رعوه. فالمنكر إذا جاء وصفًا جاريًا على فعله فبابه التصحيح على الأصل.
فأنت تقول (الأمر المنكر معيب عقلًا وشرعًا) وتقول في جمعه (الأمور المنكرة أو المنكرات معيبة عقلًا وشرعًا) . أما قول الزمخشري (وهم يركبون المنكرات) فليس (المنكرات) فيه صفة جارية على فعلها وإنما هي صفة غالبة فارقت موصوفها فقامت مقامه وأغنت مغناه فشابهت الاسم، لكنها لم تغادر الوصف في دلالتها، ولو خصصت.