الصفحة 224 من 697

فإذا نحن لم نخلد إلى التعريف اللفظي للفرع والأصل، في مقالة البصريين، وفزعنا إلى تعريف حقيقي يكون للماهية فيه تحقق وثبوت، كأن تقول:"الأصل ما سبق تصوره وقيامه في الذهن"كان التعريف أليق بالواقع اللغوي. وإذا كان المدرك الحسي أسبق إلى الذهن من المدرك المعنوي، وأجناس الأعيان أسبق من أجناس المعاني ومنها المصادر، كان المصدر الدال على العموم والجنس والمطلق متخلفًا عما يمكن تصوره من أسماء الأعيان وما انتزع منها من أفعال واشتق من هذه من صفات، وما صح أنه الأسبق هو الأصل.

قال ابن جني في الخصائص:"ورتبة المشتق منه أن يكون أسبق من المشتق نفسه".

وأشار الكوفيون إلى نحو من هذا فقالوا إن المصدر لا يتصور معناه ما لم يكن فعل فاعل، والفعل وضع له، فعل يفعل، فينبغي أن يكون الفعل الذي يعرف به المصدر أصلًا للمصدر. أما احتجاجهم بأن المصدر يعتل باعتلال الفعل، والاعتلال حكم تسبقه علته، فإذا كان الاعتلال في الفعل أولًا، وجب أن يكون أصلًا، وكذا قولهم بأن الفعل يعمل في المصدر كقولك ضربته ضربًا، والمؤثر أقوى من المؤثر فيه، والقوة تجعل القوي أصلًا لغيره.. أقول احتجاجهم بهذا وذاك احتجاج اعتباري لا يكاد يقف فيه الجدل على وجه يخلد إليه بيقين.

وقد بحث المسألة الدكتور مصطفى جواد عضو المجمع العلمي العراقي، رحمه الله، في كتابه (دراسات في فلسفة اللغة والنحو والصرف) فناقش ووازن وكايل وأدلى بحججه وانتهى من بحثه إلى الأخذ بمذهب الكوفيين، واستدل على صحة دعواه بثلاثة عشر دليلًا فقال:"هذه ثلاثة عشر دليلًا تنتقض دعوى سيبويه أن الفعل صادر عن المصدر، وهي أدلة نحن اهتدينا إليها ولم يقف عليها الكوفيون وغيرهم".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت