المطلب الثاني: في سبب تخصيص صورة المسألة بمخالفة الصحابي دون غيره .
لقد خصصتُ المسألة بمخالفة الصحابي - فقط - دون غيره ، لأن الصحابي هو المباشر للنقل عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو قد حضر التنزيل ، وشاهد الوحي ، وسمع الشرع من فِي رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فهو أعلم بمراد الشارع من كلامه ، وأعرف بمقاصد الشريعة من غيره ، فلعله شاهد من القرائن الحالية أو المقالية ما يقتضي مخالفته للحديث النبوي الشريف .
وتخصيص المسألة بمخالفة الصحابي هو الذي صرح به بعض الأصوليين كالقرافي (1)
(انظر: ترجمته في: الديباج المذهب( 1/ 236 ) ، المنهل الصافي ( 1/ 415 ) . )
في"شرح تنقيح الفصول" (2)
(( ص 371 ) . )
وهو الذي يفهم من كلام أكثر الأصوليين وإن لم يصرحوا به (3)
(انظر: الإحكام لابن حزم( 2/ 12 ) ، التبصرة ( ص 343 ) ، الإحكام للآمدي ( 2/ 115 ) ، المعتمد ( 2/ 175 ) ، الوصول إلى الأصول لابن برهان ( 2/ 195 ) ، المحصول ( 2/ 1/ 630 ) . )
وذهب بعض الأصوليين كإمام الحرمين في"البرهان" (4)
إلى تعميم المسألة ، وعدم تخصيصها بالصحابي ، وجعلوها تشمل الراوي وإن كان من غير الصحابة (5)
(انظر: الإبهاج( 2/ 194 ) ، البحر المحيط ( 4/ 370 ) ، فواتح الرحموت ( 2/ 163 ) . )
قلت: هذا بعيد لأن قياس غير الصحابي ممن روى الحديث على الصحابي قياس مع الفارق ، وذلك لأن الرواة - من غير الصحابة - ليس لهم إلا الرواية ، ولا علم لهم بالقرائن ولا بالسماع ، ولا بمشاهدة الوحي والسماع من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مباشرة فهو يختلف عن غيره .
فغير الصحابي لم يباشر المتكلم حتى يحسن أن يقال فيه: لعله شاهد من القرائن الحالية أو المقالية ما يقتضي مخالفته ، فلا تكون المسألة على عمومها .
(1) انظر: ترجمته في: الديباج المذهب ( 1/236 ) ، المنهل الصافي ( 1/415 ) .
(2) ( ص 371 ) .
(3) انظر: الإحكام لابن حزم ( 2/12 ) ، التبصرة ( ص 343 ) ، الإحكام للآمدي ( 2/115 ) ، المعتمد ( 2/175 ) ، الوصول إلى الأصول لابن برهان ( 2/195 ) ، المحصول ( 2/1/630 ) .
(5) انظر: الإبهاج ( 2/194 ) ، البحر المحيط ( 4/370 ) ، فواتح الرحموت ( 2/163 ) .