لا شكّ أن شعوب العالم أجمع قد عانت، عبر العصور من ويلات العبودية بمختلف أشكالها وألوانها، ومن بينها تلك المأساة المصرية التي عبّر عنها نجيب محفوظ.. بدءًا من (( القاهرة الجديدة ) )حتى مرحلة الصمت (10) .
فالمأساة الإنسانية هي الصراع غير المتكافيء بين الإنسان والطبيعة.. بين الإنسان والمجتمع.. بين الإنسان والسلطة، بمعنى أن أحد الطرفين يحمل فكرة قمع الآخر أو قهره وإذلاله، ثم الانتصار عليه.
ولمّا كان هذا الصراع هو السمة الأساسية لتاريخ البشر فإن الحس المأساوي، القمعي، هو الغالب على بقية أحاسيسهم، وقد ظلّ الفن، منذ العصور الأولى للإنسان، يعبر عن مقاومته الدائبة لهذه المأساة، تعبيرًا ملحميًا أو ذاتيًا، يحيط بجملة من الطقوس الاجتماعية والظروف التاريخية الصانعة له.
ونجيب محفوظ، بصدقه الفني في اختيار"الشكل الملحمي"لأعماله /من القاهرة الجديدة حتى السراب/ 1948/ كان تمهيدًا طبيعيًا لاختيار
"الشكل الروائي"في الثلاثية، التي أعلنت ميلاد البطل التراجيدي في الأدب العربي (11) ، مختارًا البورجوازية الصغيرة في بنائه الملحمي، كونها أوسع الشرائح الاجتماعية في مصر.
والقاهرة الجديدة هي (الحلقة الأولى في التكوين الملحمي) [1] لأعمال محفوظ الروائية، وللعنوان دلالته الاجتماعية والسياسية لطبيعة المرحلة التاريخية التي عاشتها مصر ما بين الحربين الأولى والثانية: حالة من الضياع والبطالة والانحلال، والبؤس عبر آلية القمع الجماعي الذي يبدو تلقائيًا، بين أحضان الاحتلال وهيمنة العلاقات الإقطاعية. والقاهرة الجديدة.. هي كل ذلك بما تتضمنُه من تناقضات في البناء الاجتماعي والسياسي والاقتصادي بشكل عام، والبناء الإنساني لمختلف الفئات بشكل خاص.
(1) - غالي شكري (( المنتمي ) )- دراسة في أدب نجيب محفوظ- ص /104/- دار الآفاق- بيروت ط3 /1982/.