في القراءة النقدية للنص، تنمو الكتابة عبر علاقات متعددة ومتنوعة، لتعود إلى مراجعها الحية، فنقرؤها تارةً خارج النص، في توحّشها وتفاصيل معيشتها، في صمتها وخفائها، وتارةً داخل النص عبر جمالياتها المتعددة في اللغة والرمز والدلالة، فلا تجد الكتابة سبيلًا لها سوى أن تسأل الكتابة نفسها، يعني أن تقرأها من موقع بنيتها، لتثير تلك لعلاقة الجدلية بين الداخل والخارج.. بين الذات والعالم.
أن تسأل الكتابة عن قولها، عن موقعها في الزمن والفن يعني أن تقرأها تحليلًا ونقدًا، وليس نقلًا عن راهنيتها وفوضاها، إنما تقولها صياغةً تشارك في خلقها من جديد، عبر عملية بحثٍ وسبرٍ واكتشافٍ، تضيء ما خفي من جماليات الكتابة ومدلولها، ثم تعرّي أسئلة الكتابة في محاولة الإجابة عليها.
في هذا الإطار تأتي الرواية العربية- من بين الفنون الأخرى- أكثر غنىً وتنوعًا في تناول القمع- موضوع هذا البحث- وتجلياته في الواقع الموضوعي والواقع الروائي (6) -.
وقبل تناول هذه الأعمال لا بد من التنويه إلى أن النماذج الروائية التي سيتناولها هذا البحث، لا تنتمي إلى جيل واحد. غير أن المرجع الذي استمدتْ منه الروايات مناخاتها وفضاءاتها الروائية، هو مرجع متقارب وذو إشكالية مشتركة تطمح إلى بناء مجتمع عربي متقدم- عبر عملية هدم واختراق- تسوده العدالة والحرية، وينتفي منه القهر والكبت والاضطهاد.
إن الواقع الموضوعي براهنيّته المستمرة بالحاضر، وربما بالمستقبل، يغمر الواقع الروائي كعلامة فاصلة بين ماضٍ يبدو فاقدًا لقيمته ومعناه، بسبب من تدهور الحاضر، ومستقبل مشكوك في نهوضه وإشراقه، نتيجة استمرار نفس البنى المنهزمة، أو ثبوت عجزها.