فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 169

من هذه الزاوية يمكن القول إنَّ الرواية العربية (وأعني النماذج الجيدة منها والمتميزة) لا تكتسب واقعيتها عَبْرَ وصف الحياة العصرية الطارئة أو الوافدة، وإنما تستمدها أساسًا من الشكل الذي تشيّدهُ عبر عملية بناء وهدم، واكتشاف واختراق للواقع، تضمّنها رؤية من بين رؤى أخرى ممكنة، بعيدًا عن الفوتوغرافية والميكانيكية التسجيلية. ولو اعتمدنا بعض النماذج الجيدة لوجدنا أن الرواية العربية في الأربعينيات وبداية الخمسينيات، لم تكن روايات فوتوغرافية أو ميكانيكية كما يقال في أحكام عشوائية ومبتسرة، بل إن هذه الواقعية رغم دورانها في فلك الواقعية الأوروبية، قد أنتجتْ، بسبب تماسها مع الواقع العربي الخاص بها، نماذج غنية الأشكال والمضامين تتعدى الفرد والطبقة، وتكسر وهم التطابق بين العالم المشخَّص والعالم الروائي؛ كما في قنديل أهم هاشم، زقاق المدق، خان الخليلي، القاهرة الجديدة، والمصابيح الزرق.. الرغيف.. إلخ.

فهذه كلها روايات تثبت تعددية الواقع، وتعددية الواقعية، بالإضافة إلى أنها تُخرج الكاتب والقارئ من نطاق الإحساسات الفردية، وتسجيل الوعي

بالزمن من خلال الذاكرة الشخصية إلى نطاق الوعي بالأشياء، والعلائق، والمحيط الاجتماعي، وكون الرواية جزءًا من منظومة ثقافية، ومن حقل

أيديولوجي ما (4) - لا بد أن تصل إلى المتلقي وأن تتعرض إلى النقد والتنظير وإثارة الأسئلة والإشكاليات الفكرية، فبعد أن تجاوزت الرواية العربية الحديثة إشكالية البحث عن أصولها في التراث، دخلت في إشكالية أخرى- لا تزال موضع جدال متعدد الأطراف- هي إشكالية التنظير لها،على غرار ما حاوله"جورج لوكاتش"و"باختين"وغيرهما، وهذه الإشكالية المزمنة مصدرها قبل كل شيء طبيعة العلاقة المعقدة والمتداخلة إلى حدّ الضبابية الفكرية بين النقد العربي والنقد الأوروبي بكل اتجاهاته بما في ذلك النقد الماركسي، ثم نوعية العلاقة غير المتكافئة بين الناقد والروائي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت