فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 169

ومهما اختلفت الآراء والتأويلات، فإن الرواية العربية الحديثة جاءت قريبة- في أشكالها ومضامينها- من الرواية الأوروبية، لأن الفلسفة الاقتصادية والاجتماعية التي برزت في ما سمّي بعصر النهضة العربية، كانت تدور في فلك المفاهيم العامة للمجتمعات الغربية وقوانينها، رغم استحالة تحقيق النتائج نفسها، ومن ثم فإن الثقافة، وبخاصة في عهد الاستعمار، قد مهّدت لقيام تفجيرات أدبية فنية كبرى، تنهل من منابع ثقافية وفلسفية متباينة، تتقاطع فيها التصورات المثالية مع المفاهيم الجدلية والمادية.

لقد كان واقع المجتمعات العربية في مستهل القرن الماضي مسرحًا سريع الحركة، ومن ثم كانت الرواية العربية منذ ميلادها، منبهرةً، مأخوذة بهذا الواقع المستجد، تلاحقه لاهثة، تسجله وتصوغه في مواقف وشخصيات وأحداث، وفضاءات وأزمنة، تحاكي وتشخّص، وتصف وتسرد، متنقلةً بين التقليد والتحديث والإبداع على يد روائيين لم تكن ثقافتهم أحادية البعد، إذ هم جزء من عملية التحديث في التحولات الاجتماعية.

هؤلاء الروائيون، على اختلاف انتماءاتهم الطبقية والفكرية، سرعان ما حققوا إنجازات فنية وفكرية في واقعية الرواية العربية، ليس فقط عن طريق نظيرتها الأوروبية أو الروسية. ولا بتأثير الترجمة والاقتباس. وإنّما لكونهم يتمتعون أيضًا بإدراك الواقع وفهمه، بمعناه الواسع، وهو يقترب من مفهوم الفلسفة الأوروبية للواقع في مختلف اتجاهاته؛ أي إعطاء الأسبقية للتجربة الفردية والتقاط الظواهر بعناصرها الجوهرية، والشخصيات بسماتها المتفردة، وربط الفضاء الروائي بالزمن.. إلخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت