إنها رحلة طويلة حقًا، رغم قِصَر تاريخها الفني، تلك التي قطعتها الرواية العربية ما بين صوت المويلحي- وجبران (1) وهيكل، وبين شخصيات نجيب محفوظ.. وحنا مينا. ويوسف إدريس.. وعبد الرحمن منيف.. وجبرا.. وكنفاني والياس خوري وحيدر حيدر وصنع الله إبراهيم، الغيطاني.. إلخ.. إلخ- وهي ترتجف تحت وطأة القهر والقمع والتمرد؛ تبحث، عبثًا، عن صفاء قيمٍ وتقاليد رحلتْ، أو كادت، لتَخْلِفَها مقاييس وأنماط تبدو هجينة في بنية المجتمع، متداخلة كتداخل البِنْيات الاقتصادية والاجتماعية المتعثرة في حركة نموّها وتطورّها..، فجاءت فجيعة حزيران /1967/ لتعمِّد بالدم ميلاد مجتمع إشكالي، بدأت تبرز فيه الرواية العربية كصيغة مفتوحة على كل الأشكال والتيارات..، تلاحق مشاهد السقوط المفجع وانهيار بعض المسلمات ويقينياتها عبر أشلاء الأزمنة المتداخلة والمكتسِبة لمعانيها في البحث عن فضاءات جديدة للنص الروائي.
إلا أن النقد العربي الحديث، خلال حقبة لا بأس بها، شغَل نفسه بالبحث عن جذورٍ للرواية في التراث العربي لإثبات أن هذا الجديد قديم، والإلحاح على ضرورة العودة إلى الحكايات والسير والمقامات والقصص الشعبية، لاستلهامها واستيحائها، وبذلك"نحطّم الخرافة التي تزعم القصور في العقلية العربية" (2) .
هذه الإشكالية الثانوية ضيَّعَتْ فرصة الحوار المبدع والخلاق مع ذلك التراث القصصي /باستثناء جمال الغيطاني/، ليس من منطلق اعتباره كنزًا يؤكد سَبْقًا في هذا الفن، ولكن بالنظر إليه في تاريخيته ومحدوديته، وفيما يشتمل عليه من عناصر تركيبية وبنائية، لها امتداداتها في التطورات القصصية، والروائية اللاحقة (3) صالحة لأن تكون مفتاحًا للحوار، بالمعنى العميق، داخل الرواية العربية الحديثة، أي وسيلة لإبراز الفروق اللغوية والفنية في البنية السَّردية للرواية.