2ً-تقودنا النظرة المطلقة للمؤلف إلى رؤية نمطية ذات نسقٍ واحد، منذ البداية وحتى النهاية، محكومة بالمواجهة المباشرة للواقع، ذات طابع انتقادي، غلب عليه روح الخطابة والتقريرية، والوعظ، على ضوء النظرة المطلقة لكل شخصية، مما أضعف بناء الشخصية الروائية المتماسكة فنيًا، بينما احتجز المؤلف كل شخصياته في قبضة حديدية صارمة وسيَّرها كما يشاء عبر نسق قيمي أخلاقي وفني واحد.
3ً-في ضوء ما سبق تتصف رؤية المؤلف في"القاهرة الجديدة"بالنزعة الأخلاقية الصارمة، وعلى الأخص في النهاية التي وصل إليها"محجوب عبد الدائم"فقد انتهت انتهازية ذلك الشاب إلى انهيار كل عالمه، مما دفعه إلى التفكير بالانتحار، وهذه النهاية تتناقض والقضية التي تطرحها الرواية بأسرها، لأنها تعبير عن صعوبة إفساد المجتمع إفسادًا كاملًا.
4ً-لا يختفي دور القدر في"القاهرة الجديدة"بصورة كاملة ولا في غيرها من روايات نجيب نحفوظ، وكأن آلية القمع والاستلاب تتمثل في الموت الفجائي والاعتباطي الذي يصيب شخصيات نجيب محفوظ. فقد كان للآباء النصيب الأكبر من هذا الموت؛ فالأب في معظم أعمال محفوظ يموت في بداية الرواية، وقد يموت معنويًا حين يُصاب بمرض يقعده عن الكسب والإنفاق على الأسرة، كما حدث لوالد محجوب في"القاهرة الجديدة"، وقد يموت في اختفائه من أول الرواية - زقاق المدق - الطريق -، وقد يموت فعلًا بسكتة قلبية - بداية ونهاية.
5ً-يسيطر المؤلف على الأحداث وحركتها في"القاهرة الجديدة"سيطرة كاملة. يوجهها كما يريد بصورة قسرية، بعيدًا عن التلقائية، التي ينبغي توافرها في العمل الفني: ويفرض عليها الحوار والنطق بما يشاء لها أن تتكلم، يحذف من الصورة ما لا يعجبه ويضيف إليها ما يروق له.