"لستَ بالفتى الأمرد، ولا أمك بالفاتنة اللعوب فما عسى أن أصنع أنا..؟"ص 86.
ثم يقدم نجيب محفوظ هذه الشخصية المتواطئة- سالم الإخشيدي- التي تتاجر بمصائر البشر، مستغلة أضعف الحلقات وأخطرها، ألا وهي /الحلقة الاقتصادية/ في حياة الأسرة، ونكتشف أن الإخشيدي كان زميلًا لمحجوب في مرحلة الدراسة وكان زعيمًا خطيرًا من زعماء الطلبة، من أبطال لجان المقاطعة وموزعي المنشورات ضد الدستور، ومما يذكره محجوب ولا ينساه أن الإخشيدي دُعي يومًا لمقابلة الوزير فذاعت عن المقابلة الأقاويل وتوقع كثيرون أن يقع اضطهاد وبغي، ولكن الفتى انقلب فجأةً، وانسحب من ميدان السياسة كله، وتوقّف نشاطه الذي لم يكن يعرف الحدود، ولم يعد يُرى إلا في المحاضرات. فإذا واجهه أحد بسؤال عن سرّ انقلابه أجابه ببروده المعهود: ميدان الجهاد الحقيقي للطلبة: العلْم"ص 33."
هذا النموذج المرتد، ثم المتواطئ المفسد، يعدّ أول نموذج مبكّر في الرواية العربية يقدمه نجيب محفوظ كنموذج للسقوط وضحية للقمع، عبر التعذيب الجسدي والضغط والإغراءات أو غير ذلك من أساليب القمع المتعددة.
وفيما بعد سيتابع نجيب محفوظ- كما نوّهتُ سابقًا- تقديم نماذج كالإخشيدي، في"زقاق المدق"المعلم كرشة الذي كان وطنيًا وانقلب تاجرًا في الانتخابات، وكذلك رؤوف علوان- الثوري المرتد- في اللص والكلاب، وكان قد مهد محفوظ لمرحلة ما بعد اللص والكلاب، برائعته الملحمية"أولاد حارتنا"التي عبّرت عن المعنى الكبير لانتكاس المبادئ وأسباب الانتكاس. فقد كانت المأساة في"أولاد حارتنا"تكمن في سرعة التخلي عن المبادئ وعدم الحفاظ عليها عبر حالة من النسيان- خلل الذاكرة الشعبية والفردية على حدّ سواء.