لقد أيقن أن هذه الطريقة مسدودة أمامه، وأدرك مرارة الإخفاق في إيجاد الوسيلة للعمل متسائلًا"أأموت جوعًا..؟". غير أنه تعرّف، من خلال بحثه الدائب، على أسلوب آخر للتعيين يكشف عن بؤرة فساد أخرى في الدولة والمجتمع:"نظر إليه الإخشيدي نظرة غامضة وقال: أرجو أن تكون رجلًا عمليًا، وأن تحسن فهم الدنيا، وأن تعلم أن كل فائدة بثمن..، هناك مثلًا عبد العزيز بك راضي..، الطريق ميسور، ولكن ينبغي أن تعلم أنه يأخذ ممن يعيّنه نصف مرتبه لمدة عامين بضمان"ثم تابع:"أو فنانة مشهورة لها نفوذ في وزارة الحربية والدوائر الكبرى.. والأسعار كما يلي: الدرجة الثامنة ثلاثون جنيهًا. والسابعة أربعون والسادسة مائة جنيه. والدفع فورًا"ص 84-86.
ثم يكشف الكاتب أن"عبد العزيز بك راضي"ذاهب لتأدية فريضة"الحج"للدلالة على آلية القمع المبطنة ليس بالسجن والنفي والتعذيب. إنما بآلية أشدّ قبحًا وخطرًا آلية خادعة، متستِّرة.. بقيم وطقوس اجتماعية أفرزتها الحقب التاريخية السابقة عبر آلية الطاعة العمياء، وإلغاء الحوار، وعدم الاعتراف بالرأي الآخر.
بدا محجوب عبد الدايم مهزومًا أمام ضنك الشّلل الاقتصادي الذي ألّم بأسرته، ولم يجد سبيلًا للوصول إلى الوظيفة /قارب النجاة/ سوى التعامل بالأساليب التي كانت تسود مجتمعه، فامتدح ينافق سالم بك الإخشيدي بخطبة قال فيها:
"يا سالم بك أنت جار قديم.. وأستاذنا في العلم والوطنية على السواء... لهذا أقصد إليك كبير الرجاء، يا سعادة البك الشهادة من غير شفاعة أرخص من ورق اللحم، فهل آمل أن تلحقني بوظيفةٍ ما..؟"ص 84.
عبر هذا التملّق الاجتماعي المكتسب، يورد المؤلف حوارًا طويلًا بين سالم الإخشيدي ومحجوب. يكشف من خلاله احتقار الإخشيدي لزميله القديم، والاستخفاف به عبر مزيد من فضح آلية الفساد والقمع والاستلاب الروحي والأخلاقي داخل المجتمع المصري- بل والعربي- قال لمحجوب ضاحكًا: