إن تسليط الضوء على نموذج"محجوب عبد الدايم"مكّن نجيب محفوظ من تعرية المجتمع، وفضح مكامن الفساد فيه، من خلال القامع والمقموع:
ففي"القاهرة الجديدة"تنمو آلية القمع والاستلاب، حيث أفرزت حالة من الضياع الاقتصادي والتيه الاجتماعي، أدّيا إلى خللٍ مريب في البنية الفردية نفسيًا وسلوكيًا، ممّا خلق مناخًا ملائمًا للقهر السياسي والفساد الاجتماعي.. عبْر تشابك العلاقات بين فئات البورجوازية المختلفة والفئات الأخرى، أدّى إلى مزيج من التناقض بين القاهرتين: القديمة والجديدة، فتنمو مأساة الحرية لدى أبطال محفوظ بشكل متداخل ومعقد، لتحوّلهم إلى دُمى ضائعة، يشكل القمع الداخلي الشريان الرئيسي في حياتهم.
لقد ترك"محجوب عبد الدايم"الجامعة بحثًا عن وظيفة أو عمل يكون نافذة للنجاة من السقوط، له ولأسرته، -بعد الشلل الدائم للأب-، حيث بدأت تواجهه مشكلات المجتمع المصري (15) ، وهذه المشكلات في إطارها العام، هي نتاج حالة قمعية تتجلى في عملية الاستغلال الاقتصادي والفساد الاجتماعي للإنسان، حيث كان الحصول على وظيفة أمرًا عسيرًا، يستلزم مواقف تكشف الفساد وتواجهه بالرفض، أو تستسلم له بتقديم تنازلات شتّى للحصول على هذه الوظيفة، وقد كانت شروط التعيين تفضح آلية القمع كنتيجة لحالة الفساد في أرض المأساة لأمثال"محجوب عبد الدايم". قال له أحد المسؤولين:"اسمع يا بني تَناسَ مؤهلاتك ولا تضع ثمن الاستخدام.. المسألة لا تعدو كلمة واحدة ولا كلمة غيرها: لديك شفيع..؟ أأنت قريب أحد ممن بيدهم الأمر..؟، أتستطيع أن تطلب يد كريمة أحد رجال الدولة..؟ إن أجبت بنعم فمبارك مُقدَّمًا، وإن أجبت بكلا فلْتولِ وجهك وجهة أخرى"ص 81-82.