الصفحة 61 من 169

وقطعها قطعًا وأعطى كل إنسان قطعة فأكلها يبقى وصل من عين اليقين إلى حقيقة اليقين". [1] "

رابعًا: بين التعقل والتصور:-

هناك في العلم ما يسمى بالتعقل من جهة والتصور من جهة فالغيب محجوب عنك ولو بجدار أنت لا تعرف كنهه بعقلك؛ كأن يطرق أحد الناس باب بيتك، وأنت مفصول عنه بالجدار وبالباب، إن تخيلته (أي الطارق) سنتدخل في احتمالات كثيرة:

-الشكل، وتراوحه بين الطول والقصر.

-الجنس، هل هو رجل أو امرأة؟.

-الغاية هل هو بشير أم نذير؟.

-وقبل كل ذلك وبعده ما اسم هذا الطارق؟

أما إذا وقفنا جميعًا عند معلومة أن طارقًا بالباب فقط؛ ثم فتحنا الباب، وسألناه بعد ذلك عن اسمه وهدفه لكانت إجابته واضحة؛ إذًا إننا إذا بدأنا في إدخال عقولنا في تصور الطارق سندخل في مرحلة اختلاف في الاحتمالات أعلاه، وبعد فتح الباب ندخل في مرحلة التعقل. [2]

خامسًا: الاعتماد على العقل:-

رد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله على المعتزلة -لأن من مبادئهم الاعتماد على العقل- ردًا مفحمًا في كتابه القيم: (درء تعارض العقل والنقل) ؛ لأن من انحرافات المعتزلة استعمالهم العقل في غير مجاله ... في أمور غيبية تقع خارج الحس ولا يمكن محاكمتها محاكمة عقلية صحيحة. [3]

وأقول: إن العقل في الأمور الغيبية دون وحي يصبح ظنًا؛ قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى(27) وَمَا لهمْ به مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (28) فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (29) ذَلِكَ مَبْلَغُهمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيله وَهوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهتَدَى) [النجم:27 - 30] .

لماذا يصبح ظنًا؟ لأن الحواس قد تضللك وقد تضلل عقلك، ومن الأمثلة على ذلك:-

1 -تكون راكبًا في قطار، وتشاهد الأعمدة والأشجار، والمنازل متحركة؛ بينما المتحرك هو القطار، والثابت هو تلك الأشياء.

2 -تكون في الطائرة، وتنظر خارجًا في الجو، فتتخيل أنها واقفة في مكانها؛ بينما هي في الحقيقة تطير بسرعة كبيرة.

3 -يرى السراب في الصحراء فيحسبه الظمآن ماءًا حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا.

4 -"إن الحواس تعطينا أحيانًا صورًا كثيرة وهمية ... فالعصا المغمورة في الماء تبدو مكسورة، والخطوط المتوازية التي تفصل بينها خطوط تبدو غير متوازية، والأرقام البيضاء تبدو أكبر من الأرقام السوداء، وشعورنا دائمًا أننا نسير"

(1) محمد متولي الشعراوي، تفسير سورتي القارعة و التكاثر (مكتبة القرآن) ، ص 67 - 68.

(2) محمد متولي الشعراوي، علم الغيب وطغيان الإنسان (مكتبة القرآن،1980م) ، ص7 - 8.

(3) مانع بن حماد الجهني، مرجع سابق ذكره، [1/ 69 - 70] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت