فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 58

شعرت أني أنا وليست روحي فقط سقطت في درب الآلام والحزن والغم في أروقة هذا المستشفى التي تبدو هادئة، وديعة وساكنة في الظاهر، إلا أنني شعرت بآلام نزلائها تنخر عظامي. لم يبق لي سوى الفرار إلى شوارع المدينة المليئة بالبشر الذين يضجون بالعافية، بالسيارلات التي تخلق ضجيجًا لا مثيل له بمنبهاتها. ومع ذلك فالسعادة لم تزلزل أبواب القلب.... هذا القلب الذي سكن فيه الأعمام جميعًا، ثم رحلوا عنه واحدًا بعد الآخر. وها هو العم الأخير الذي تشكلت معه أجمل ذكريات الطفولة، سيرحل هو الآخر... كم يتعذب هذا القلب الذي أحمله؟.. عدت إلى تلك الأروقة الكئيبة التي تنضح بكل مايهتك أسرار الإنسان الذي يفقد قوته وجبروته وكبريائه وعجرفته. تصورت أني سأجد العم كمال قد فارق دنياي. لذلك دخلت غرفته والدموع وصلت فمي، إلا أنني وجدته متكئًا على وسادته.. احتضنته وبكيت على صدره.. قال في أذني:

-أنا كذاب ابن سلالة كذابين أيها الوغد؟

ازداد بكائي، فهذا العم لا يغفر أبدًا، على الرغم من كل ما قلته عن حكاياته السابقة. دفعني عنه برفق وقال:

-بدل أن تبكي. عليك أن تسمع ماذا حل بجدك الطيب حين وثق بأحد أحفاده.

تحولت أعصابي إلى أسلاك من فولاذ. لم يبق في القلب مكان يمكن أن يحتله الحزن. قلت بجفاف:

-تحملت كا ماقتله عن أخوالي، أما جدي فلا.

-لا تكن أحمق صغيرًا.. جدك نفسه حزن لما حدث له طويلًا.

-دع جدي وشأنه.. لا تجعله يتململ في قبره.

-قلت لك لا تكن أحمق صغيرًا، فالأحداث والأيام هي ما ترتكز عليهما حياة الحكماء، وبدونهما لا يبقى للحياة معنى، فالإنسان الذي لا يفهم ويتعلم من الأحداث والأيام هو أشبه بالكلب.

-ماذا تعني؟

قال العم كمال بنبرة صوت أسمعها منه أول مرة:

-كان جدك حكيمًا، لقد تعلم من الأحداث والأيام إلى الحد الذي أصبح حكيمًا فاستعمل العصا.

-حكيم ويستعمل العصا؟

-يا ابن أخي الوغد إذا لم تستعمل العصا فأنت حمار كبير.

من أين يبدأ السبيل إلى التفاهم مع هذا العم الذي يرقد في سريره والسرير في مستشفى؟. وتيار الحزن الذي لم يتحرك ويفارقني جعلني استمع إليه بدون إرادة مني. قال العم كمال وهو يضحك:

-تصور أن جدك الحكيم فقد حكمته التي انبثقت من التجربة وليس من الدراسة، بسبب معلومة علمية يفهمها طلاب المدارس الابتدائية.

قلت بغضب:

-لم يبق في القلب متسع لأحزان جديدة.

هدر العم كمال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت